
#روما، ✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في هجوم غير مسبوق، شنّ أسطورة #الكرة #الفرنسية ميشيل بلاتيني حرباً كلامية ضروساً على رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، متهماً إياه بتدمير قدسية قوانين اللعبة ومطالباً إياه صراحة بالتنحي عن منصبه.
بلاتيني الذي كان يوماً ما رجل أوروبا الأول في عالم الساحرة المستديرة، خرج عن صمته المعتاد في حوار ناري مع قناة “كانال بلاس” الفرنسية، ليوجه سهامه نحو الرجل السويسري الذي كان يعمل سكرتيراً عاماً له في الاتحاد الأوروبي قبل أن يطيح به من عرش الفيفا.
“إنفانتينو فشل فشلاً ذريعاً”، هذا ما قاله بلاتيني بصوت يخنقه الأسى والغضب. “هو الحارس الأمين لقوانين اللعبة، لكنه خان الأمانة ولم يحترمها. يجب أن يرحل، وهذا ليس رأيي الشخصي فحسب، بل حقيقة يعيشها عشاق الكرة في كل مكان”.
وما أثار حفيظة الرئيس الفرنسي السابق للاتحاد الأوروبي ليس مجرد خلافات شخصية عالقة منذ أيام الإيقاف الشهيرة عام 2015، بل سلسلة من القرارات التي وصفها بأنها “فضائح كروية بامتياز” خلال مونديال أميركا الأخير.
وبلاتيني الذي لا يزال يعتبر نفسه حارساً للروح النقية لكرة القدم، عدد المخالفات الواضحة التي شهدتها البطولة العالمية، متوقفاً عند ثلاث واقائع أساسية. الأولى هي فترات التوقف التجارية لشرب المياه التي لم يرد لها ذكر في لوائح الفيفا الصارمة. الثانية هي الاستراحة غير المسبوقة التي استمرت ثلاثين دقيقة بين شوطي المباراة النهائية، وهي مخالفة صارخة للأصول المعمول بها منذ مئة عام. أما الثالثة والأكثر إثارة للجدل، فهي قصة المهاجم الأميركي فلورين بالوجون الذي تلقى بطاقة حمراء ثم تم تعليق عقوبة إيقافه بعد تدخل هاتفي مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إنفانتينو.
و”هذه ليست كرة قدم”، هكذا قال بلاتيني وهو يهز رأسه بحسرة. “هذا تدخل سياسي سافر، والفيفا تحظر ذلك صراحة. إنفانتينو سمح بذلك، وهذا يعني أنه فقد كل شرعية أخلاقية للبقاء في منصبه”.
ولا يخفي بلاتيني مرارته الشخصية مما حدث معه، فهو الرجل الذي حرم من الترشح لرئاسة الفيفا بسبب إيقافه في قضية الدفعة المالية المشبوهة، بينما صعد إنفانتينو إلى القمة. لكن ما يؤلم الأسطورة الفرنسي أكثر من أي شيء آخر هو تحول كرة القدم إلى سلعة تدار من قبل مجموعة صغيرة تعشق المال والسلطة، كما يقول.
و”لطالما عرفت إنفانتينو عن قرب”، يتابع بلاتيني بنبرة تشي بمعرفة عميقة بالرجل. “كنت أعرف أنه يحب المال والسلطة بجنون، لكني لم أتخيل أنه سيصل إلى حد انتهاك كل ما هو مقدس في هذه اللعبة الجميلة”.
وفي مشهد يعكس التناقض الصارخ بين رجلين، يمضي بلاتيني ليرسم صورة مثالية لنجومية كرة القدم الحقيقية، قائلاً إن النجم الحقيقي ليس رئيساً يجلس في مكتب فخم، بل لاعبون يخطفون الأضواء بأقدامهم، مثل كيليان مبابي، أعجوبة كرة القدم الفرنسية المعاصرة، وزين الدين زيدان الذي صنع التاريخ، ودييغو مارادونا الذي لا يزال حياً في وجدان كل عاشق للكرة.
وبلاتيني الذي كان يوماً ما أفضل لاعب في العالم وصانع ألعاب استثنائي، يتحدث هنا كمدافع متحمس عن التراث الكروي الذي يوشك أن يضيع. هو يشعر أن الجيل الحالي من الإداريين يلعب لعبة مختلفة تماماً، لعبة الأرقام والعقود والرعاة، متناسين أن روح اللعبة تكمن في المتعة والإبداع والعدالة.
والملفت أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم نفسه يستعد لرفع قضية جنائية ضد إنفانتينو في المحاكم السويسرية، وهو ما يعد تصعيداً خطيراً في هذه المعركة التي تجاوزت حدود الملاعب. بلاتيني يؤمن بأن هذا المسار القضائي قد يكون أكثر فاعلية من أي إجراء رياضي، وقال في هذا السياق: “لا أعتقد أن هذه القضية ستحل داخل أروقة الفيفا أو اليويفا. العدالة الحقيقية قد تأتي من القضاء، وليس من السلطات الرياضية التي أصبحت فاسدة مثل بعض من يديرونها”.
وهنا لا يمكنني كمتابع متخصص في الشأن الكروي العالمي إلا أن أشعر بالأسى لما وصلت إليه اللعبة الأكثر شعبية في العالم. بلاتيني، مهما اختلفنا معه أو مع بعض قراراته، يظل رمزاً من رموز الكرة الفرنسية والأوروبية، ويظل صوته مؤثراً، خصوصاً عندما يتحدث بصدق عاطفي عن حبه لكرة القدم وكراهيته للفساد.
والحقيقة أن هذا الصراع ليس شخصياً بين رجلين، بل صراع بين فلسفتين، فلسفة الكرة النقية التي مثلها بلاتيني ومارادونا وزيدان، وفلسفة الكرة التجارية التي يجسدها إنفانتينو وحاشيته. والأسوأ أن إنفانتينو لا يبدو أنه يخطط للرحيل، فهو يسعى لإعادة انتخابه العام المقبل، مما يعني أن هذه المعركة قد تطول.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع بلاتيني وحلفاؤه الأوروبيون فعلاً إسقاط إنفانتينو عبر القضاء؟ أم أن الرجل السويسري سيظل ممسكاً بزمام الفيفا رغم كل الانتقادات؟ ما هو مؤكد أن كرة القدم فقدت الكثير من براءتها، وأن عشاقها في كل مكان يتوقون إلى أيام كانت فيها اللعبة مجرد كرة وملعب وحلم، دون صفقات مشبوهة ومكالمات هاتفية من رؤساء دول. بلاتيني، في هجومه الأخير، يذكّرنا بأن هناك من لا يزال يقاتل من أجل هذه الروح، وهذا وحده كفيل بأن يجعله بطلاً في عيوننا، حتى لو أخطأ في الماضي.



