
بقلم/ إيهاب الأمين
تتفاقم مأساة أطفال السودان يوماً بعد يوم في ظل حرب ضروس اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للدمار والموت والتشريد وليدفع الأطفال الثمن الأغلى في صراع لم يختاروه ولم يكن لهم فيه ناقة ولا جمل ووفقاً لتقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) يواجه أكثر من أربعة ملايين طفل في السودان خطر سوء التغذية الحاد من بينهم أكثر من سبعمئة ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يهدد حياتهم بشكل مباشر إن لم يتلقوا العلاج الفوري وتعد هذه الأرقام هي الأسوأ على مستوى العالم إذ يتجاوز عدد الأطفال المهددين بالمجاعة في السودان نظيره في معظم بؤر الأزمات الأخرى مجتمعة.
ولا تقتصر الكارثة على الجوع وسوء التغذية بل تمتد لتشمل انهياراً شبه كامل في المنظومة الصحية وقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأن أكثر من سبعين بالمئة من المرافق الصحية في مناطق النزاع توقفت عن العمل بشكل كلي أو جزئي مما حرم ملايين الأطفال وأسرهم من أبسط الخدمات الطبية وأدى هذا الانهيار إلى تفشي أوبئة قاتلة على رأسها الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك وهي أمراض يمكن الوقاية منها وعلاجها في الظروف الطبيعية لكنها تتحول إلى أحكام إعدام في ظل غياب المستشفيات والأدوية والكوادر الطبية وقد سجلت السلطات الصحية السودانية والمنظمات الدولية عشرات الآلاف من الإصابات بالكوليرا وحدها منذ بدء تفشي الوباء مع ارتفاع مستمر في معدلات الوفيات بين الأطفال الذين تتدهور أجسادهم الهزيلة بسبب سوء التغذية فتفقد قدرتها على مقاومة أي عدوى مهما كانت بسيطة.
أما على صعيد التعليم فقد حرم أكثر من تسعة ملايين طفل في السودان من حقهم في التعليم وفقاً لبيانات اليونيسف لتتحول المدارس إما إلى ركام بسبب القصف والتدمير أو إلى ملاجئ للنازحين الذين فروا من جحيم المعارك ويمثل هذا الرقم واحداً من أكبر أعداد الأطفال المحرومين من التعليم في أي بلد في العالم مما يعني أن جيلاً كاملاً من أطفال السودان مهدد بالضياع والجهل والفقر المدقع حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها وإلى جانب كل ذلك يواجه ملايين الأطفال خطر العنف والاستغلال والتجنيد القسري في صفوف الجماعات المسلحة، فقد وثقت تقارير أممية حالات متزايدة لتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية فضلاً عن تعرض الفتيات لخطر العنف الجنسي والزواج القسري في ظل انهيار الحماية المجتمعية والقانونية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد النازحين داخل السودان تجاوز عشرة ملايين شخص منهم ملايين الأطفال الذين اقتلعوا من ديارهم ومدارسهم ومجتمعاتهم ليعيشوا في مخيمات مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والغذاء الكافي والرعاية الصحية الأساسية كما فر مئات الآلاف إلى الدول المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا حيث يواجهون ظروفاً معيشية بالغة القسوة وفي خضم هذه الكارثة المتعددة الأبعاد تبرز فجوة التمويل كعامل مضاعف للمعاناة فقد كشفت يونيسف في تقريرها المحدث أن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لم تحصل سوى على نسبة ضئيلة جداً من التمويل المطلوب مما يعني أن المنظمات الإنسانية عاجزة عن الوصول إلى ملايين المحتاجين رغم معرفتها التامة بحجم المأساة وتحتاج عمليات الإغاثة إلى مليارات الدولارات لتوفير الغذاء والماء والدواء والمأوى والتعليم للأطفال المتضررين لكن المجتمع الدولي لم يلتزم حتى الآن إلا بجزء يسير من هذا المبلغ.
إن ما يحدث في السودان ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة بل هو إبادة بطيئة لجيل كامل من الأطفال ترتكب أمام أعين العالم الذي يبدو مشلولاً أو غير مبالٍ فالأطفال الذين يموتون جوعاً في دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة لا يختلفون عن أي طفل آخر في العالم لكنهم ولدوا في المكان الخطأ وفي الزمان الخطأ ودفعوا ثمن صراع على السلطة لا علاقة لهم به من قريب أو بعيد وتتحمل الأطراف المتحاربة في السودان المسؤولية الأولى والأخيرة عن هذه الكارثة إذ إن استهداف المدنيين والبنى التحتية ومنع وصول المساعدات الإنسانية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ولاتفاقية حقوق الطفل كما يتحمل المجتمع الدولي جزءاً من المسؤولية بسبب تقاعسه عن الضغط الفاعل لوقف الحرب وعن توفير التمويل الكافي لعمليات الإغاثة.
إن الوقت ينفد أمام أطفال السودان وكل يوم يمر دون تدخل حاسم يعني المزيد من الوفيات والمزيد من المعاناة والمزيد من الضياع والعالم مدعو اليوم قبل الغد إلى التحرك الفوري لوقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية الآمنة وضمان وصول المساعدات إلى كل طفل محتاج وإلا فإن التاريخ سيسجل أن المجتمع الدولي وقف متفرجاً بينما كان أطفال السودان يموتون جوعاً ومرضاً ورعباً في أسوأ كارثة إنسانية يشهدها القرن الحادي والعشرون.



