حين يبدأ مؤيدو الحرب في التذمر.. فهذه هي الصدمة الكبرى ‼️ الجنيه ينهار.. الأسعار تشتعل.. الخدمات تختفي.. والعائدون يهربون من السودان مرة أخرى!!

✍️ محمد الفاتح حضرة
لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام عن سعر الدولار والتضخم!!
ولم يعد ارتفاع أسعار الخبز والدواء والإيجارات مجرد ضائقة معيشية عابرة.
هناك تطور أخطر بدأ يظهر الآن:
أن التذمر من نتائج الحرب والانهيار الاقتصادي بدأ يتسع داخل المجتمع، وفي مناطق سيطرة حكومة العسكر نفسها.
والأخطر من ذلك:
أن بعض الذين بدأوا يتذمرون اليوم، كانوا بالأمس من مؤيدي استمرار الحرب!!
وهنا تكمن الصدمة!!
فلم يبدأ هذا التذمر من أولئك الذين حذروا منذ البداية من كارثة الحرب، ولا من شباب الثورة الذين ظلوا ينادون بوقف القتال، ولا من أصحاب الحكمة الذين قالوا إن الحرب لن تنتج إلا الموت والدمار والانهيار.
بل إن شرارة التذمر الاقتصادي بدأت تظهر في قطاعات ومناطق تضم أعداداً كبيرة من مؤيدي الحرب وأنصار جماعة ما يسمى بـ«التيار الإسلامي العريض» وحلفائهم!!
أي أن بعض الذين كانوا يهتفون للحرب، بدأوا الآن يدفعون فاتورتها!!
وهذه هي المفارقة التي يجب أن ينتبه إليها قادة الجيش الانقلابيين.
🛑 الاقتصاد ينهار.. والحرب تأكل السودان!!
الدولار تجاوز 7 آلاف جنيه.
والأسعار ترتفع بصورة شبه يومية.
وسعر الدقيق يرتفع.
والمواصلات ترتفع.
وإيجارات المنازل ترتفع.
والدواء أصبح عبئاً على معظم الأسر.
والتاجر يشتكي من الركود.
والعامل يبحث عن عمل.
والزراعة والصناعة والتجارة تعاني من آثار الحرب.
وفي المقابل، تستمر الدولة في زيادة الإنفاق على القوات المسلحة والأجهزة العسكرية والقوات والميليشيات والحركات المسلحة المتحالفة معها.
لأن الحرب تحتاج إلى المال!!
لكن المشكلة أن الاقتصاد الذي يفترض أن يمول الدولة والحرب نفسها ينهار!!
وهنا تظهر المعادلة التي لا تستطيع الشعارات العسكرية إخفاءها:
الحرب تحتاج إلى مال..
والمال يحتاج إلى اقتصاد..
والاقتصاد يحتاج إلى إنتاج..
والإنتاج يحتاج إلى أمن واستقرار..
والحرب تقتل كل ذلك!!
ولهذا يستطيعون زيادة راتب الجندي..
لكنهم لا يستطيعون زيادة قيمة الجنيه!!
ويستطيعون تمويل بندقية..
لكنهم لا يستطيعون تمويل اقتصاد منهار إلى ما لا نهاية!!
🛑 وهنا بدأت الشرارة!!
بدأت مؤشرات التذمر تظهر في مواقع مهمة.
أساتذة في جامعة الخرطوم، وفي مقدمتهم أساتذة كلية الطب، والاستقالات الجماعية وما تعكسه من أزمة عميقة.
المعلمون ونقاباتهم ومطالبهم.
والتجار في الأسواق، الذين بدأ بعضهم يغلق محاله احتجاجاً على الضرائب والرسوم، في وقت يعاني فيه السوق أصلاً من الركود وضعف القوة الشرائية.
وتبرز من بينها احتجاجات وتذمرات التجار في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل.
وهنا يجب ألا ننظر إلى كل واقعة باعتبارها حادثة منفصلة.
فالشرارة عندما تنتقل من قطاع إلى قطاع.. ومن مدينة إلى مدينة.. تصبح ظاهرة!!
والأهم:
أنها بدأت تضرب القاعدة الاجتماعية التي كانت ترى أن استمرار الحرب هو الطريق إلى الخلاص!!
🛑 المفارقة الكبرى.. العائدون إلى السودان يعودون ثم يغادرون!!
هناك ظاهرة أخرى أكثر دلالة على حقيقة ما يجري.
خلال السنوات الثلاث الماضية، لجأ سودانيون كثيرون إلى دول مختلفة، بينها مصر وإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا وتشاد وغيرها.
وبعض هؤلاء لم يكن يعيش في دول اللجوء اعتماداً على مساعدات أو صدقات.
كان له مصدر دخل داخل السودان.
بعضهم موظف وله راتب.
وبعضهم صاحب معاش.
وبعضهم يملك منزلاً يؤجره للغير، ويعيش من قيمة الإيجار الشهري في بلد اللجوء.
وكانت تلك العائدات، قبل انهيار الجنيه بهذا الشكل، تساعدهم على تدبير حياتهم خارج السودان.
لكن ماذا حدث؟!
انهارت قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
فقد الراتب والمعاش والإيجار جزءاً كبيراً من قيمته الحقيقية.
وأصبح ما يأتيهم من السودان لا يكفي لتغطية نفقات المعيشة في مصر أو إثيوبيا أو جنوب السودان أو أوغندا أو تشاد.
فقال بعضهم:
لماذا نبقى في الغربة؟!
لنعد إلى السودان ونعيش هناك بمواردنا المحدودة!!
فعادوا.
لكنهم عندما وصلوا إلى السودان اصطدموا بحقيقة أخرى!!
وجدوا الغلاء.
وجدوا الإيجارات المرتفعة.
وجدوا الكهرباء والمياه في حالة من الاضطراب والانقطاع.
وجدوا العلاج شحيحاً ومكلفاً.
وجدوا الاقتصاد راكداً.
وجدوا فرص العمل محدودة.
ووجدوا الأمن هشاً.
بل وجد بعضهم أن الحركة ليلاً أصبحت مجازفة بسبب انتشار العصابات المسلحة.
وأصبح أصحاب السيارات، خاصة سيارات «البكاسي» والـ«بيك أب»، يخشون من استهدافها وسرقتها وإعادة بيعها للمهربين أو استخدامها في مناطق التعدين الأهلي عن الذهب أو نقلها عبر الحدود.
وهنا حدثت المفارقة المؤلمة:
عادوا إلى وطنهم لأن عائداتهم لم تعد تكفيهم للعيش في الخارج.. ثم غادروا السودان مرة أخرى لأن الحياة داخله أصبحت فوق طاقتهم!!
أي مأساة أكبر من هذه؟!
🛑 وحتى الخرطوم الراقية أصبحت شاهداً على الانهيار!!
في أحياء الخرطوم الراقية، ما زالت أعداد كبيرة من المنازل والفلل مغلقة.
بيوت فخمة بلا سكان.
قصور كانت تمثل أحلام أصحابها ومستقبل أبنائهم، أصبحت خاوية.
ومع ذلك نشطت حركة بيع العقارات.
لماذا؟!
لأن بعض أصحابها لم يعودوا يرون في الاحتفاظ بالعقار ضماناً للمستقبل.
يريدون سيولة.
يريدون عملة أجنبية.
يريدون وسيلة للعيش أو للخروج!!
بئر معطلة وقصر مشيد ‼️
هذه ليست مجرد صورة شعرية.
إنها صورة الخرطوم اليوم!!
مدينة كان يفترض أن تستعيد عافيتها بعد الحرب، فإذا بأحيائها الراقية نفسها تشهد هجرة السكان وبيع الممتلكات!!
🛑 وهنا تأتي الصدمة لقادة الحرب!!
كان يمكن لقادة الحرب أن يتجاهلوا تحذيرات الذين عارضوا الحرب منذ اليوم الأول.
كان يمكنهم أن يقولوا إن هؤلاء لا يريدون «انتصار الجيش».
لكن ماذا سيفعلون الآن أمام الذين كانوا يهتفون للحرب ثم بدأوا يتذمرون من نتائجها؟!
ماذا سيقولون للتاجر الذي كان يؤيد استمرار الحرب ثم وجد متجره مغلقاً بسبب الركود والضرائب والرسوم؟!
ماذا سيقولون للأستاذ الذي كان يريد استقرار البلاد فإذا به أمام انهيار مؤسسته الجامعية؟!
ماذا سيقولون للموظف الذي كان يعتقد أن الحرب ستنتهي بالنصر فإذا براتبه يفقد قيمته كل يوم؟!
ماذا سيقولون للعائد من الخارج الذي عاد مؤيداً أو متفهماً للحرب، ثم اضطر إلى مغادرة السودان مرة أخرى؟!
هذه هي المشكلة الحقيقية!!
لأن الحرب عندما تضرب خصومك فقط، تستطيع أن تخدع أنصارك بشعارات النصر.
لكن عندما تبدأ الحرب في ضرب أنصارك أنفسهم..
تسقط الشعارات أمام لقمة العيش!!
🛑 ولذلك ظهر «الحوار» في هذا التوقيت😈!!
هنا يجب أن نفهم المناورة السياسية الجديدة.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، وبعد أن أصبحت كلفة استمرارها الاقتصادية والاجتماعية هائلة، وبعد أن بدأت آثارها تصل إلى القاعدة الاجتماعية المؤيدة لها، يظهر الحديث عن الحوار والعفو وتشكيل حكومة مدنية.
لا أحد يرفض الحوار الحقيقي.
لكن السؤال:
هل هو حوار لإنهاء الحرب؟!
أم حوار لإنقاذ سلطة الحرب؟!
هل هو الطريق إلى دولة مدنية حقيقية؟!
أم مجرد واجهة مدنية لسلطة عسكرية؟!
لأن الحوار الذي لا يبدأ بوقف الحرب، ولا يضم السودانيين جميعاً، ولا ينتهي إلى سلطة مدنية حقيقية، يمكن أن يتحول إلى محاولة لإعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة!!
والأخطر من ذلك ما يتداول من تسريبات حول منح المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش حق تقرير المصير.
لا أتعامل مع هذه التسريبات باعتبارها قراراً مؤكداً قبل التحقق منها.
لكن إذا صحت، فنحن أمام تطور بالغ الخطورة:
من محاولة حسم الحرب..
إلى محاولة تثبيت نتائجها..
ثم تحويل خطوط السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي وجغرافي!!
وهنا يصبح السؤال:
هل بدأ البحث عن مخرج من الحرب.. أم بدأ البحث عن طريقة لتقسيم السودان وفق نتائج الحرب؟!
🛑 السودان ليس غنيمة حرب!!
السودان ليس شركة خاسرة يتقاسمها الشركاء بعد أن فشلوا في إدارتها!!
وليس نصفاً يحكمه هذا الطرف، ونصفاً يحكمه الطرف الآخر!!
وليس أرضاً توزع بحسب خطوط السيطرة العسكرية!!
السودان وطن لشعب كامل!!
وإذا عجزتم عن حكمه موحداً..
فليس الحل أن تقسموه حتى تستطيعوا حكم ما تبقى منه!!
الحل أن تتوقف الحرب.
أن يعود الجيش إلى دوره الوطني.
أن تنتهي الميليشيات.
أن تعود الدولة إلى الشعب.
أن يعود الاقتصاد إلى الإنتاج.
أن تعود الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم.
أن يعود النازحون واللاجئون إلى بيوتهم.
وأن يصبح المواطن هو المستفيد من موارد الدولة، لا وقوداً لحرب السلطة!!
🛑 لقد بدأت الرسالة تصل!!
الخبز يغلو.
الجنيه ينهار.
الأسواق تنكمش.
التجار يغلقون.
المعلمون يتذمرون.
الأساتذة يستقيلون.
العائدون يغادرون مرة أخرى.
العقارات تُباع.
والخرطوم ما زالت في أجزاء واسعة منها خاوية على عروشها.
ثم يسألون:
لماذا يتذمر الناس؟!
لأن الناس اكتشفوا الحقيقة التي حذر منها العقلاء منذ اليوم الأول:
الحرب لا تبني دولة..
ولا تطعم شعباً..
ولا تحفظ اقتصاداً..
ولا تصنع مستقبلاً!!
والأخطر بالنسبة لقادة الحرب:
أن الذين بدأوا يشعرون الآن بوطأة الكارثة ليسوا جميعاً من معارضي الحرب.
إن بعض أنصارها بدأوا يدفعون ثمنها.. وبدأوا يسألون: إلى متى؟!
وهذه قد تكون بداية التحول الحقيقي.
فالحرب لا تنتهي فقط عندما يعجز السلاح عن إطلاق النار..
أحياناً تبدأ نهايتها عندما يعجز الناس عن تحمل فاتورتها!!
فهل فهم قادة الحرب الرسالة؟!
أم أنهم سيواصلون تمويل البنادق..
بما تبقى من اقتصاد السودان..
حتى لا يبقى من السودان نفسه ما يستحق أن يُحكم؟!
السودان لا يحتاج إلى حكومة تنقذ سلطة الحرب..
السودان يحتاج إلى سلام ينقذ السودان من سلطة الحرب ‼️
✍️ محمدالفاتح حضرة



