الأعمدة

الشمالية لا تحتاج إلى قوات تروّع أهلها

✍️ محمد الخطيب
حين تصل الأمور إلى مرحلة يصبح فيها وجود قوة مسلحة داخل ولاية مصدر خوف للمواطن بدلاً من أن يكون مصدر أمان له، فإن السؤال لم يعد: لماذا نرفض وجودها؟
بل يصبح السؤال الأهم: لماذا يستمر وجودها أصلاً؟
ما صدر عن والي الولاية الشمالية بشأن القوات المشتركة ليس موقفاً عابراً، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تصريح سياسي يمكن تجاوزه. فالوالي تحدث بوضوح عن تجاوزات طالت مناطق متعددة من الولاية، وعن ممارسات قال إنها تروّع المواطنين وتمس أمنهم وكرامتهم وممتلكاتهم.
وهنا يجب أن تكون الأولوية للمواطن.
فالولاية الشمالية ليست في حاجة إلى قوة مسلحة تأتي إليها ثم يصبح أهلها مطالبين بالخوف منها أو الاحتياط من تحركاتها. الأمن الحقيقي هو أن يمشي المواطن في قريته آمناً، وأن يطمئن على أسرته وماله، وأن يعرف أن من يحمل السلاح موجود لحمايته لا لترهيبه.
من يحمي الشمالية؟
الإجابة ليست معقدة.
هناك القوات النظامية الموجودة في الولاية، وهناك أبناء الشمالية الذين انخرطوا في الاستنفار دفاعاً عن أهلهم وأرضهم، وهؤلاء أولى بأن يكونوا جزءاً من منظومة حماية الولاية، في إطار الدولة والقانون.
فالولاية ليست منطقة بلا رجال، وليست أرضاً بلا أهل، وليست بحاجة إلى تشكيلات مسلحة غير نظامية تفرض وجودها على مجتمع لم يطلب منها أن تكون وصية على أمنه.
أبناء المنطقة يعرفون قراهم، ويعرفون أهلها، ويعرفون طبيعة مجتمعهم، والأهم أنهم يحملون مسؤولية حماية أهلهم وأرضهم.
أما السلاح الذي يأتي من خارج النسيج الاجتماعي للمنطقة، ولا يخضع بصورة واضحة للمرجعية الأمنية الرسمية، فإنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن مؤسسات الدولة.
لا مساومة على هيبة الدولة
المشكلة ليست في اسم القوة أو الجهة التي تنتمي إليها، وإنما في طبيعة وجودها وسلوكها ومدى خضوعها للقانون.
فالولاية الشمالية لا ينبغي أن تكون ساحة لتعدد القوى المسلحة، ولا مجالاً لتداخل الاختصاصات، ولا مكاناً تتعدد فيه الجهات التي تحمل السلاح وتتحرك بعيداً عن إرادة المؤسسات الرسمية.
وجود القوات النظامية شيء، ووجود تشكيلات مسلحة غير نظامية شيء آخر تماماً.
القوات النظامية تستمد مشروعيتها من الدولة والقانون، وتخضع لسلسلة قيادة معروفة ومسؤوليات محددة. أما التشكيلات التي تتحرك خارج هذه المنظومة، فإن استمرار وجودها في المناطق الآمنة يفتح الباب أمام الفوضى والاحتكاكات ويضع المواطن في مواجهة مخاطر لا ذنب له فيها.
ولهذا فإن موقف والي الشمالية يستحق أن يُقرأ باعتباره دفاعاً عن حق الولاية في أن تكون لها منظومة أمنية واضحة ومرجعية واحدة.
المواطن أولاً
ليس المطلوب من المواطن أن يدخل في معركة مع أحد، ولا أن يحمل السلاح ليحمي نفسه من أصحاب السلاح.
هذه مسؤولية الدولة.
وإذا كانت القوات المشتركة قد تحولت، بحسب ما أعلنه والي الولاية، من قوة يُفترض أن تؤدي دوراً أمنياً إلى مصدر ترويع للمواطنين، فإن استمرارها يصبح أمراً غير مقبول.
لا يمكن أن يُطلب من الناس الصبر إلى ما لا نهاية على ممارسات تمس أمنهم وكرامتهم، ولا يمكن أن تكون عبارة “الظروف الأمنية” مبرراً مفتوحاً لبقاء أي قوة إلى أجل غير معلوم.
الأمن لا يعني كثرة السلاح.
الأمن يعني غياب الخوف.
والقوة التي تجعل المواطن يخشى الطريق أو السوق أو منزله لا يمكن أن تكون جزءاً من الحل الأمني مهما كانت الشعارات التي ترفعها.
أبناء الشمالية قادرون على حماية أرضهم
من حق أبناء الولاية أن يرفضوا تحويل مناطقهم إلى مساحة مفتوحة أمام تشكيلات مسلحة لا يرغبون في وجودها.
وفي المقابل، فإن وجود المستنفرين من أبناء الولاية إلى جانب القوات النظامية يمكن أن يشكل دعامة مهمة لحماية المناطق، متى كان ذلك منضبطاً بالقانون وتحت إشراف الدولة.
فالمستنفر الذي يقف لحماية قريته وأهله، ويعرف أن مهمته تنتهي عند حدود القانون، يختلف تماماً عن قوة مسلحة تصبح لها أجندتها أو وجودها المستقل داخل المجتمع.
الشمالية لا تبحث عن حرب داخل حدودها.
الشمالية تبحث عن الأمن والاستقرار وسيادة القانون.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن يفهمه الجميع.
لا نريد بديلاً مسلحاً بديلاً عن آخر
المطلوب ليس إخراج قوة واستبدالها بقوة أخرى غير نظامية.
هذه ليست المعالجة.
المطلوب أن تكون الولاية تحت حماية مؤسسات الدولة، وأن تكون القوات النظامية هي المرجعية الأساسية في حفظ الأمن، وأن يكون دور المستنفرين من أبناء المنطقة منظماً ومعلوماً وتحت مظلة الدولة.
أما التشكيلات المسلحة غير النظامية، فلا مكان لها في مجتمع يريد أن يعيش آمناً.
فالولاية الشمالية لا تحتاج إلى تعدد البنادق، وإنما تحتاج إلى وحدة القرار الأمني.
ولا تحتاج إلى تعدد مراكز القوة، وإنما تحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات حاضرة.
رسالة الشمالية يجب أن تكون واضحة
إذا كان المواطن هو الذي يدفع ثمن الفوضى، فمن حقه أن يقول كلمته.
وإذا كانت هناك قوة يفترض أنها موجودة لحماية الناس ثم أصبحت، بحسب ما أعلنته حكومة الولاية، سبباً في ترويعهم، فمن حق السلطة المحلية أن تطالب بخروجها، ومن حق المجتمع أن يؤيد هذا الموقف دفاعاً عن أمنه واستقراره.
المرحلة الحالية لا تحتمل المجاملات.
ولا تحتمل أن يصبح وجود السلاح أمراً طبيعياً في المناطق الآمنة.
ولا تحتمل أن يشعر المواطن أن عليه أن يتعايش مع الخوف لأن القوة التي تروعه تحمل صفة عسكرية.
السلاح الذي لا يحمي المواطن لا مكان له بين المواطنين.
والشمالية ليست ضد أحد، لكنها مع نفسها، مع أهلها، مع أمنها، ومع حقها الطبيعي في أن تكون تحت سلطة الدولة وحدها.
إن موقف الوالي، في جوهره، يجب أن يتحول إلى بداية لترتيب أمني جديد:
قوات نظامية تحمي، ومستنفَرون من أبناء الولاية يدعمون حماية أهلهم وفق القانون، ولا وجود لقوات غير نظامية تفرض نفسها على المجتمع.
فالشمالية تريد أن تنام قريةً آمنة، لا أن تستيقظ كل صباح على سؤال:
من يحمل السلاح اليوم؟
والجواب الذي ينبغي أن يكون واضحاً للجميع:
السلاح في الشمالية لحماية المواطن، وليس لترويع المواطن.

زر الذهاب إلى الأعلى