الأعمدة

النموذج المدهش بروفيسور علي المك: عشق أم درمان والمريخ والبسطاء ونثر إبداعاً فريداً

بقلم/ إيهاب الأمين

شهدت مدينة أم درمان العريقة ولادة الأديب والناقد والمترجم السوداني البارز البروفيسور علي محمد علي المك في 12 فبراير 1937 ونشأ هذا المبدع في كنف أسرة سودانية محافظة حيث كان والده يعمل في القضاء الشرعي مما فرض على العائلة تنقلاً مستمراً بين أقاليم السودان المختلفة تلبية لمتطلبات الوظيفة القضائية فتلقى علي المك تعليمه الأولي متنقلاً بين كتاب ود المصطفى في أم درمان ومدرسة أرقو الأولية بالولاية الشمالية ومدرسة الفاشر الأولية في غرب السودان قبل أن يعود مجدداً ليستقر في مسقط رأسه ملتحقاً بمدرسة المسالمة الأولية ثم مدرسة أم درمان الأميرية المتوسطة عام 1947 وتجلى شغفه الباكر بالقراءة والاطلاع منذ طفولته الأولى بفضل مكتبة والده الزاخرة بكتب الفقه والشريعة والتراث الإسلامي واللغوي مما ساهم في صقل موهبته وتنمية معارفه وجعله يبدأ محاولات الكتابة في سن صغيرة بإصدار مجلة حائطية مخصصة للطلاب. واصل مسيرته الأكاديمية بنجاح وتفوق حتى تخرج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم ثم شد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية لينال درجة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة جنوب كاليفورنيا.
اتسمت الحياة الإبداعية للبروفيسور علي المك بالتنوع والعمق الشديد وظهر ذلك جلياً في مؤلفاته القصصية الرفيعة التي رصدت تفاصيل الحياة السودانية وتحولاتها الاجتماعية ومن أبرز مجموعاته القصصية البرجوازية الصغيرة التي صدرت بالاشتراك مع رفيق دربه الأديب صلاح أحمد إبراهيم ومن مؤلفاته القمر جالس في فناء داره قماشاً ومن مؤلفاته باللغة الإنجليزية (كرسي القماش) وقد تميزت كتاباته بلغة سردية عذبة ولم يكن له ديوان شعري مستقل بل تجلى حسه الشاعري في مقالاته وكتاباته الأدبية التي تناولت جماليات شعر الحقيبة وغنائية أم درمان وامتدت جهوده الإبداعية إلى ميدان الترجمة حيث كان من أوائل الذين نقلوا الأدب الإفريقي والأمريكي الأسود إلى اللغة العربية تعبيراً عن انحيازه لقضايا التحرر والإنسان كما امتلك تجربة فريدة في كتابة تعليقات الأفلام الوثائقية والسينمائية بصوته الرخيم العميق وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية ذائعة الصيت عبر أثير إذاعة أم درمان كانت بمثابة منارات ثقافية تبسط المعرفة وتحلل الإرث الفني السوداني بأسلوب جاذب وممتع.
ارتبط اسم علي المك ارتباطاً وجدانياً وثيقاً بمدينة أم درمان التي كانت ملهمته الأولى ومحور إبداعه لدرجة أنه عندما انتقل لاحقاً للسكن في بيوت أساتذة جامعة الخرطوم بحي بري كان يصر على قطع مسافة طويلة كل صباح باكر ليتناول قهوته في مقاهي أم درمان وسط البسطاء قبل بدء عمله الأكاديمي بجامعة الخرطوم وإدارته لدار النشر التابعة لها وانعكس هذا العشق الأم درماني في ولائه الرياضي الشديد لنادي المريخ السوداني (نادي الصفوة) إذ كان مريخابياً خالصاً يعتز بانتمائه إلى النادي الذي تأسس في حي المسالمة بمسقط رأسه وحرص على حضور فعالياته ومجالسة أقطابه. عاصر علي المك في شبابه المد اليساري والاشتراكي في السودان وارتبط فكرياً وعاطفياً بالحزب الشيوعي السوداني متأثراً بالتيارات الثقافية التقدمية التي سادت الساحة آنذاك دون أن ينغمس في العمل التنظيمي الحزبي الضيق وقد جمعت البروفيسور علي المك علاقة وثيقة وتاريخية بالمبدع والشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم حيث بدأت صداقتهما منذ أيام الدراسة الجامعية وتشاطرا معاً هموم الأدب والسياسة وإصدار المجموعات القصصية المشتركة وتميزت شبكة علاقاته الاجتماعية بالاتساع لا سيما صداقاته العميقة مع رموز الفن والغناء السوداني وكان يتقدمهم الفنان الكبير عبدالعزيز محمد داؤود حيث ارتبطا بصداقة دامت عقوداً وكتب عنها علي المك مؤلفاً خاصاً يخلد قفشات عبدالعزيز وإبداعه الغنائي. امتد تأثير علي المك في المشهد الفني ليكون صاحب الفضل في اختيار اسم الثلاثي الغنائي الشهير البلابل في بداية السبعينيات عندما طرحت عدة أسماء لتسمية فرقة الأخوات بنات طلسم فاختار لهن اسم البلابل لما يحمله من دلالة على الشدو العذب والجميل.
تزوج البروفيسور علي المك من السيدة فوزية أمين وأثمر هذا الزواج المبارك عن ولادة أبنائه اللذين حرص على تربيتهم تربية رفيعة تشبه روحه الطيبة وواصل علي المك عطاءه الأكاديمي والثقافي في جامعة الخرطوم حتى داهمه المرض فرحل في رحلة علاجية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهناك في مدينة ألبوكيركي بولاية نيومكسيكو أسلم الروح إلى بارئها في أكتوبر 1992 مخلفاً وراءه إرثاً أدبياً وإنسانياً خالداً يروي سيرة مثقف سوداني فذ أحب وطنه وأهله وعاش مخلصاً لقيم الجمال والإبداع.

زر الذهاب إلى الأعلى