كتب.. أحمد_عثمان_جبريل
المشهد السوداني المتقلب، بدأت تتنازعه أصوات من يلهث وراء فرصة سلام مؤقتة، ومن يرى في الهدنة فخًا سياسيًا جديدًا.. ومع تصاعد التحركات الدولية والإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه: “هل نحن أمام خطوة نحو وقف النزيف، أم أمام جولة جديدة من لعبة الوقت؟”.
«الذين لا يتعلمون من الحروب، يعيدونها بأسماء جديدة.»
– عبد الرحمن بدوي
1
تعود كلمة “الهدنة” إلى الواجهة مرة أخرى، هذه المرة على إيقاع أنباء عن لقاء مرتقب يجمع الفريق اول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش والفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدع*م الس*ريع، برعاية (الرباعية الدولية) – “أمريكا، مصر، السعودية، والإمارات” وبحضور مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، وبرفقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتسهيل توقيع اتفاق هدنة لثلاثة أشهر.
2
ورغم أن المشهد يبدو واعدًا ظاهريًا، من خلال ما أكدته مصادر عليمة بان توقيع الهدنة بين طرفي الصراع قد أكده الطرفين، بشكل قاطع، إلا الشارع السوداني ما زال يطرح سؤاله الأصيل:” هل ما يُطبخ في الكواليس هو واقع جديد أم تكهّن دبلوماسي آخر؟” فقد اعتاد السودانيون أن يشاهدوا الهدن تُعلن في الخارج وتُدفن في الداخل.
3
الرباعية الدولية تتحرك بضغط متصاعد لإيقاف الحرب التي أنهكت البلاد وهددت وجود الدولة ذاته.. غير أن هذا الضغط كشف أيضًا حجم (الارتباك الكيزاني) حيث ظلّ الإسلاميون يسعون لإطالة أمد الحرب طمعًا في استعادة حضورهم السياسي من خلال الفوضى وإعادة خلط الأوراق.
4
في المقابل، بدأت تظهر تصدعات داخل التيار الإسلامي نفسه، إذ يرى بعض قادته أن توقيع الهدنة الآن ضرورة سياسية، وأن رفض التوقيع على مقترح واشنطن سابقًا كان خطأً استراتيجيًا.. فالمشهد الميداني تغيّر جذريًا: “الفاشر سقطت، وقبلها بارا، والأبيض شبه محاصرة.. النزوح مستمر، وغرب البلاد يكاد يكون تحت سيطرة الدع*م الس*ريع، مما جعل الحرب عبئًا أكثر منها ورقة ضغط.
5
لكنّ الجناح المتشدد، المعروف في الأوساط السودانية بـ”البلابسة” الكيزان، لا يزال يرى في استمرار القتال خيارًا لا بد منه..حجّتهم تقوم على أن الهدنة تمنح الخصم وقتًا لإعادة ترتيب صفوفه، وأن الجيش قادر – بزعمهم – على قلب المعادلة قريبًا.. غير أن الواقع يقول عكس ذلك تماما، فالمدن تتداعى، والإمدادات تتناقص، وكل شيء في انحدار واضح.
6
كروت ضغط هذا التيار لم تعد ميدانية كما كانت، بل تحولت إلى أدوات دعائية وإعلامية.. فهم يرفعون شعار “حماية الدولة والدين” لتبرير استمرار الحرب، بينما الدولة تنهار والدين يُستغل كشعارٍ لتغطية الفشل.. إنهم يعيشون على وهم الانتصار الرمزي، بينما الأرض تحت أقدامهم تتآكل.
7
ويُجمع مراقبون على أن ما تبقّى من خطاب الإسلاميين نحو مشروعهم الحضاري باستعادة صفوفه، هو محاولة يائسة لاستعادة جمهورٍ غادرهم منذ سنوات.. فالحرب لم تعد معركة بقاء للوطن، بل أصبحت معركة بقاء للسلطة، وكل طرف يختبئ خلف شعارات “السيادة” و“الكرامة” ليخفي عجزه عن رؤية الحقيقة الماثلة أمامه.
8
ورغم كل شيء، يظل اللقاء المرتقب بين البرهان وحميدتي حدثًا يستحق التوقف.. فبعد كل هذا الدمار والدم، مجرد جلوس الرجلين إلى طاولة واحدة هو اختبار للنية قبل أن يكون اختبارًا للاتفاقيات.. فالسودان في هذه اللحظة الحرجة لا يحتاج إلى انتصار جديد، بل إلى (نجاة جماعية) تحفظ ما تبقّى من وطن أنهكته الجراح.
9
بقى ان نقول:” إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق بين من يريد إنهاء الحرب وإنقاذ الدولة، ومن يريد إدامتها لحساب مشروعه الضيق.. أما الشعب المغلوب على امره، فقد تجاوز مرحلة الوعود، ولم يعد ينتظر خطابات ولا بيانات، بل ينتظر فعلًا يوقف الدم ويعيد إليه كرامة الحياة.
أما إن كانت مجرّد تكهّنات جديدة تُدار من وراء الكواليس، فستكون مجرّد فصلٍ من آخر مسرحيةٍ يمكن أن يمثلها (البلابسة الكيزان) لأن “طوفانًا قادمًا لن يُبقي منهم ولا يذر، وكل الشواهد تؤكد على ذلك إلا من في عينيه رمد وفي آذانه صمم”..إنا لله ياخ..الله غالب.



