الأعمدة

محمد حسين كسلا: حين يلتقي شكسبير ببيليه في جسد لاعب واحد”

“

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مدينة كسلا، بأقصى شرق السودان، حيث تحتضن الجبال الخضراء واحدة من أعرق المدن السودانية تاريخاً وثقافة، وُلد عام 1953، طفل كان مقدراً له أن يحمل اسم مدينته لقباً يلازمه طوال حياته، وأن يصبح واحداً من أندر النماذج التي أنجبتها الكرة السودانية على الإطلاق: لاعباً، ثم طبيباً، ثم مؤلفاً، وقبل كل ذلك، عاشقاً صغيراً وقف يوماً على مدرجات ملعب الهلال يهتف لفريقه قبل أن يصبح واحداً من نجومه.
“شكسبير في الفصل، بيليه في الميدان”
لم يكن محمد حسين كسلا طفلاً عادياً في مدرسة أروما الوسطى، فقد وصفه معلمه آنذاك، الأستاذ صبري، بعبارة اختصرت ازدواجية موهبته منذ نعومة أظفاره: “محمد حسين بيليه في الميدان، وشكسبير في الفصل”. وهذه العبارة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مبالغة معلم معجب بتلميذه النجيب، أثبتت الأيام أنها كانت تنبؤاً دقيقاً لمسيرة استثنائية جمعت بين التفوق الأكاديمي والموهبة الكروية بمعدل نادراً ما يجتمع في شخص واحد.
“من مدرجات الهلال إلى قلب تشكيلته الذهبية”
بدأ كسلا رحلته مع الهلال، كما بدأ أغلب أبناء جيله، مشجعاً صغيراً يحمل في قلبه هوى اللون الأزرق قبل أن يحمل قميصه. واللافت أن كسلا لم يخضع لأي تكوين أكاديمي في مدارس كرة قدم متخصصة، إذ لم تكن هذه المدارس موجودة أصلاً في السودان في تلك الحقبة، بل صقلته الموهبة الفطرية الخالصة وحدها. وحين حان وقته ليصعد إلى الملعب لاعباً، وجد نفسه وسط واحد من أزهى الأجيال في تاريخ النادي: نصرالدين عباس “جكسا”، وعلي قاقرين، وعز الدين عثمان “الدحيش”، وديم الصغير، وأمين زكي، وعبده مصطفى، والفاتح النقر، وغيرهم من نجوم ذلك العصر الذهبي. ورغم هذا الزحام من الأسماء الكبيرة، لم يكن أمام كسلا سوى أن يفرض نفسه بموهبته الفطرية، فحجز مكانه في التشكيلة الأساسية بجدارة لا تقبل الجدل.
ويروي أحد من عاصروا تلك الحقبة من داخل أسوار “قلعة الهلال” بأم درمان شهادة لافتة، إذ يصف مهارة كسلا وسحره الفني بأنهما يضاهيان مهارة وسحر البرازيلي رونالدينيو، ذلك النجم الذي بزغ لاحقاً مع برشلونة والمنتخب البرازيلي وأبهر العالم بموهبته الفطرية الاستثنائية. وهي مقارنة جريئة، لكنها ليست مبالغة فارغة إن صدرت ممن رأى كسلا يراوغ بالكرة على أرض الملعب فعلاً، لا من مجرد سماع الحكايات عنه.
“البطل الخفي لنهائي 1987: تفكيك رواية شائعة”
وهنا نصل إلى واحدة من أهم الحقائق التاريخية التي يجهلها كثير من جماهير الهلال، والتي يستحق تفصيلها الدقيق أن يُروى مرحلة بمرحلة، لا أن يُختزل في اسم واحد كما دأبت الذاكرة الشعبية على فعله.
ففي بداية مشوار موسم 1987 التاريخي ببطولة الأندية الأفريقية الأبطال، عيّنت إدارة الهلال جهازاً فنياً برئاسة الدكتور محمد حسين كسلا مديراً عاماً، يعاونه كابتن جميل مساعداً للمدرب، وكابتن أحمد آدم مدرباً لحراس المرمى. وفي دور الاثنين والثلاثين، قاد المدير الفني الأجنبي أستاروستا الفريق في مبارتي الذهاب والإياب أمام بطل بوروندي، قبل أن يعتذر عن مواصلة المشوار لظرف صحي خاص ألمّ به.
وفي دور الستة عشر، استعانت إدارة الهلال بالبروفيسور كمال حامد شداد، الذي قاد الفريق في مباراة الذهاب أمام فريق فيلا الأوغندي، لكن ارتباطاته مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” حالت دون حضوره مباراة الإياب، التي تولى فيها كسلا الإدارة الفنية بنفسه. وفي دور الثمانية، انتقلت القيادة الفنية إلى الأستاذ أحمد عبدالله، الذي قاد الهلال بنجاح للوصول إلى المربع الذهبي، قبل أن تُقيله الإدارة عقب هذا الإنجاز مباشرة. وعندها أُسندت الإدارة الفنية للبروفيسور شداد مجدداً في مبارتي نصف النهائي أمام كانون ياوندي الكاميروني، ثم في مبارتي النهائي التاريخيتين أمام الأهلي المصري.
والحقيقة، التي يوثقها هذا المقال بأمانة تصحيحية، أن كسلا وكابتن جميل وكابتن أحمد آدم، إلى جانب كابتن مصطفى النقر الذي أُضيف للجهاز الفني في مرحلة دور الثمانية، هم من قادوا الهلال فعلياً لهذا الإنجاز التاريخي الأول: الوصول إلى المباراة النهائية لأول مرة في تاريخ الهلال و الكرة السودانية بأكملها. أما تعيين البروفيسور شداد، فكان في جوهره خطوة معنوية أريد بها إسكات الجماهير وإقناعها بوجود اسم كبير على رأس الجهاز الفني، دون أن يقف شداد طوال ذلك المشوار على خط التماس موجهاً أو مشاركاً فعلياً في إعداد تشكيل الفريق، بل اكتفى بحضور دائم من خلال وجوده في المقصورة الرئيسية فقط. وهكذا، وباستثناء مرحلة دور الثمانية التي تولى فيها الأستاذ أحمد عبدالله الإدارة الفنية، ظلت القيادة الفنية الفعلية طوال مشوار الهلال في نسخة 1987 بيد كسلا وجهازه المعاون، في واحدة من أكثر حقائق التاريخ الكروي السوداني حاجة لإعادة الكتابة بدقة وإنصاف.
“سباق مع الزمن سبق قرار قاسياً غيّر مسار الكرة السودانية”
غادر كسلا السودان إلى موسكو طلباً للعلم ودراسة الطب، مدفوعاً بطموحه الأكاديمي الخالص لا هروباً من ظرف قاهر، إذ كانت رحلته هذه سابقة زمنياً على واحد من أقسى القرارات التي عصفت لاحقاً بالحركة الرياضية السودانية بأكملها: قرار “الرياضة الجماهيرية” الذي أصدره الرئيس جعفر النميري، وقضى بحل الأندية وتجميد النشاط الرياضي المنظم، وقصر ممارسة الرياضة على المناطق السكنية فقط. فبينما كان ذلك القرار يعيد تشكيل واقع الكرة السودانية بأكملها بقسوة، كان كسلا قد استقر بالفعل في جامعة موسكو، ماضياً في مسار أكاديمي اختاره بإرادته الحرة قبل أن تفرضه عليه الظروف، ليتخصص في الطب الرياضي ويتخرج عام 1981، جامعاً بذلك بين سبق زمني في القرار الشخصي وسبق مهني في التخصص الذي اختاره.
“عرض جاء من موسكو: قصة انضمامه إلى النصر”
وفي تفصيل يحمل نكهة درامية خاصة، تلقى كسلا عرض الاحتراف مع نادي النصر الإماراتي وهو لا يزال طالباً بموسكو، إذ أوفد النادي مندوباً خاصاً إلى العاصمة الروسية للتفاوض معه شخصياً. وحين سُئل لاحقاً عن دوافعه الحقيقية لقبول هذا العرض، لم يتردد كسلا في كتابه بالإفصاح عن الدافع الأصدق: “كنت أحتاج إلى المال من أجل مواصلة دراستي ومساعدة عائلتي، وخاصة إخوتي الذين كانوا في مراحل دراسية مختلفة، ولذلك قبلت خوض التجربة مع النصر”. وهذا الاعتراف الصادق يكشف جانباً إنسانياً عميقاً في شخصية كسلا، إذ لم يكن احترافه مجرد سعي وراء المجد الرياضي، بل كان أيضاً فعل مسؤولية أسرية صادقة، حملها طالب طب سوداني مغترب على عاتقه في أرض بعيدة عن وطنه.
“من الملعب إلى غرفة الكشف الطبي”
لم تكتفِ موهبة كسلا بالميدان، بل جمع بين هويتين نادراً ما تجتمعان في شخص واحد: نجم الملعب، وطبيبه في آن معاً، ثم مديراً فنياً قاد الفريق في أعظم إنجازاته التاريخية كما فصّلنا أعلاه. وحين عاد كسلا إلى الهلال بعد اعتزاله اللعب، واصل عطاءه طبيباً للفريق الذي نشأ في أحضانه مشجعاً صغيراً، في مسار مهني نادر الشبه يجمع بين المدرجات، والتشكيلة الأساسية، ومقعد القيادة الفنية، ومقعد الطب الرياضي، ودور إداري لاحق أيضاً.
“سنوات الاحتراف في الإمارات: “لن أختار غير النصر”
بين عامي 1976 و1982، عاش كسلا واحدة من أجمل تجاربه الاحترافية في صفوف نادي النصر الإماراتي، وهي التجربة التي وصفها بنفسه لاحقاً بقوله: “لو يعيد التاريخ نفسه، لن أختار نادياً آخر لألعب بصفوفه غير النصر”. ولم يشعر كسلا يوماً بالغربة على أرض الإمارات، بل كان يعتبر نفسه لاعباً مواطناً لا مغترباً، بفضل الحفاوة التي وجدها من مسؤولي ناديه وزملائه وجماهيره. وحين وصل إلى النصر، وجد أن مواطنه الفاضل سانتو، لاعب المريخ الدولي، قد سبقه بالفعل إلى صفوف النادي نفسه، ليشكّلا معاً ثنائياً سودانياً مدهشاً أبهر الجماهير الإماراتية. وقد وُصف الاثنان لاحقاً بأنهما كانا من أفضل اللاعبين الأجانب الذين مرّوا على الدوري الإماراتي طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات.
“طرفة إنسانية: حين “عاد” كسلا إلى ملعبه القديم خصماً”
ومن أطرف المواقف التي عاشها كسلا في مسيرته، ما حدث في مايو 1978، حين زار فريق النصر الإماراتي السودان، وخاض مباراة ودية أمام الهلال انتهت بفوز النصر 3-2. ووقف كسلا في تلك المباراة يواجه ناديه الأم بقميص فريقه الجديد، رفقة مواطنه الفاضل سانتو. وبدلاً من العداء، داعبت جماهير الهلال نجمها القديم بهتاف ودود ظل عالقاً في ذاكرته: “عائد عائد يا كسلا، البترول طلع يا كسلا”، في مشهد يختصر عمق العلاقة الحميمية التي ظلت تربط كسلا بجمهوره الأول رغم مرور السنين وتبدل القمصان.
“أول سيرة ذاتية لنجم هلالي: “محطات في حياتي”
وفي إنجاز توثيقي فريد يضاف إلى سجله الحافل، يُعد محمد حسين كسلا أول لاعب سوداني، وأول لاعب في تاريخ نادي الهلال على الإطلاق، يصدر مؤلفاً كاملاً عن سيرته الرياضية. وقد جاء كتابه “محطات في حياتي” عملاً توثيقياً جاداً لا سيرة عابرة، إذ يقع في 383 صفحة من الحجم الكبير، موزعة على خمسة عشر فصلاً كاملاً، وصدر عن مطبعة الحياة الجديدة بالخرطوم.
“شهادة معاصرة: “ما في زول في مكانه”
ولا يزال حضور كسلا الفكري والإنساني ممتداً حتى اليوم، إذ يروي الكاتب كمال الهدي في مقال نشره عام 2022 على “سودانايل” أن كسلا أهداه شخصياً نسخة من كتابه القيّم خلال زيارة له بدبي. كما أشار الهدي إلى ظهور كسلا في حلقة من برنامج “وجوه مشرفة” على قناة النيل الأزرق، أدلى خلالها بعبارة لافتة تختصر نظرته النقدية العميقة لواقع بلاده: “ما في زول في مكانه” في سودان اليوم.
” نموذج لا يتكرر”
يواصل الدكتور محمد حسين كسلا اليوم عطاءه في مجال اختصاصه، طبيباً للطب الرياضي بالقوات المسلحة في دولة الإمارات، وعضواً في لجنة الاحتراف والتطوير بمجلس دبي للرياضة. وحين يُسأل عن أمثاله في تاريخ الكرة السودانية، يصعب أن يجد المرء إجابة مقنعة: فقلّما يجد المرء لاعباً بدأ مشجعاً عاشقاً لناديه، ثم أصبح لاعباً في تشكيلته الأساسية، ثم مديراً فنياً قاد أعظم إنجازاته القارية فعلياً وإن نُسب الفضل لغيره، ثم طبيباً يسهر على صحة لاعبيه، ثم مؤلفاً يوثق كل هذه المحطات بقلمه. إنها، بكل المقاييس، مسيرة نادرة لا تتكرر.

زر الذهاب إلى الأعلى