🛑 «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ» ‼️ متلازمة الفشل السياسي في السودان.. من 1958 إلى البرهان وحميدتي!!

✍️ محمدالفاتح حضرة
🧭 5 سبتمبر 2026
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾
[الزخرف: 54]
هذه الآية ليست قصةً عن فرعون انتهت بانتهاء فرعون.
إنها تكشف لنا واحدة من أخطر صور العلاقة بين الحاكم والمحكوم:
حاكمٌ يستخف بعقول قومه.. وقومٌ يطيعونه!!
قال الطبري في تفسيرها إن فرعون استخف قومه بما دعاهم إليه، فقبلوا منه وأطاعوه وكذبوا موسى.
وقال ابن كثير: «أي استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له».
وهنا تبدأ الحكاية السودانية!!
لأن المشكلة ليست دائمًا في الطاغية وحده.
المشكلة تبدأ عندما يجد الطاغية شعبًا يستطيع أن يقوده بالخوف.. أو بالعصبية.. أو بالشعارات.. أو بالدين.. أو بالقبلية.. أو بالطائفة.. أو بالجهوية.. أو بالوعد بالمال والسلطة.. ثم يجعله يدافع عنه حتى وهو يدمر البلاد!!
🛑 أيها الشعب السوداني.. هل نحن أمام فرعون جديد؟!
لا أقصد أن أقول إن شخصًا بعينه هو فرعون.
فالقرآن لا يطلب منا أن نبحث عن فرعون واحد فقط.
بل يلفت أنظارنا إلى منهج الطغيان:
أن يستخف الحاكم قومه..
وأن يجعلهم يصدقون روايته..
وأن يخوفهم من عدو دائم..
وأن يقسم الناس إلى «نحن» و«هم»..
وأن يجعل طاعته طاعةً للوطن..
وأن يجعل معارضته خيانةً..
ثم يصل الأمر إلى أن يدافع الناس عنه حتى عندما يرون بأعينهم نتائج حكمه!!
وهذه بالضبط هي الكارثة التي ينبغي أن نتوقف عندها في السودان.
🛑 الجوع كاااافر.. ولكن الأخطر من الجوع أن يجوع الإنسان ثم يهتف لمن أوصله إلى الجوع!!
السوداني اليوم:
جائع..
نازح..
لاجئ..
فاقدٌ بيته..
فاقدٌ مصدر رزقه..
فاقدٌ أمنه..
فاقدٌ أحيانًا أحد أبنائه أو والديه أو إخوته..
مدنٌ دمرت..
مستشفيات خرجت من الخدمة..
مدارس أغلقت..
اقتصاد انهار..
مياه وكهرباء وخدمات انهارت في مناطق واسعة..
قتل..
اغتصاب..
انتهاكات..
نهب..
تهجير قسري..
وملايين السودانيين يعيشون بين النزوح واللجوء والجوع والخوف.
ثم انظر إلى المشهد العجيب!!
هذا الشعب نفسه منقسم بين من يهتف للبرهان..
ومن يهتف لحميدتي..
ومن يدافع عن الحركة الإسلامية..
ومن يدافع عن الدعم السريع..
ومن يدافع عن الجيش..
ومن يدافع عن هذه الحركة أو تلك..
وكأن الدم السوداني الذي يسيل أمام أعيننا لا يكفي لإيقاظ الضمير!!
أليس هذا هو «الاستخفاف» بعينه؟!
🛑 ولكن دعونا نرجع إلى الوراء قليلًا..
لأن ما يحدث اليوم لم يبدأ في 15 أبريل 2023م.
الحرب الحالية هي واحدة من نتائج مرض سياسي أقدم بكثير.
مرض اسمه:
العصبية السياسية!!
والعصبية السياسية لا تعني فقط التعصب للحزب.
إنها أن يصبح الإنسان أسيرًا للجماعة التي ينتمي إليها، فيراها دائمًا على حق، ويرى خصومها دائمًا على باطل.
فإذا أخطأ حزبه قال:
«خلوها مستورة»!!
وإذا فشل قائده قال:
«الوقت غير مناسب للنقد»!!
وإذا ارتكب حليفُه جريمة قال:
«لكن الطرف الآخر أسوأ»!!
وإذا انهارت الدولة قال:
«المهم ألا ينتصر الخصم»!!
وهكذا..
بدل أن يكون الوطن هو المعيار..
يصبح الحزب هو المعيار.
وبدل أن يكون الحق هو المعيار..
يصبح الزعيم هو المعيار.
وبدل أن نسأل:
ماذا فعلتم بالسودان؟!
نسأل:
ماذا فعل خصومكم؟!
وهنا تبدأ الكارثة!!
🛑 لماذا لا نعترف بأخطائنا؟!
لأن كثيرًا من السودانيين يخافون من شيء غريب جدًا:
شماتة الخصم!!
يقول لك:
لو اعترفت بأن حزبنا أخطأ..
سيشمت فينا خصومنا!!
ولو اعترفت بأن قائدنا فشل..
سيقولون إننا كنا مخطئين!!
ولو اعترفت بأن جماعتنا ارتكبت جريمة..
سيستغلونها ضدنا!!
فتكون النتيجة:
نخفي الخطأ.. ونبرر الفشل.. وندافع عن الجريمة.. حتى لا يشمت فينا الخصم!!
وهكذا يظل الفاشل فاشلًا..
والفاسد فاسدًا..
والطاغية طاغيةً..
والقاتل قاتلًا..
لكن أنصاره يواصلون الدفاع عنه!!
وهنا أسأل:
كيف سيرتدع الحاكم؟!
كيف يصلح نفسه؟!
كيف يغير سياساته؟!
كيف يعترف بفشله؟!
وهو يعلم أن أنصاره لن يتخلوا عنه مهما فعل؟!
🛑 ولننظر إلى أول تجربة كبرى بعد الاستقلال..
في 17 نوفمبر 1958م وقع أول انقلاب عسكري في تاريخ السودان بعد الاستقلال.
لم يكن الجيش وحده في الصورة السياسية التي سبقت الانقلاب.
كان رئيس الوزراء ووزير الدفاع عبد الله خليل طرفًا أساسيًا في الترتيبات التي سبقت استيلاء الجيش على السلطة، ثم وجد الانقلاب دعمًا من قوى سياسية ودينية محافظة، وفي مقدمتها حزب الأمة والأنصار.
وهكذا..
بدل أن تكون الخلافات السياسية داخل البرلمان..
دخل الجيش إلى القصر.
وبدل أن يكون تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع..
أصبح السلاح طريقًا إلى الحكم.
وهنا حدث شيء أخطر من مجرد انقلاب:
بدأ السودان يتعلم أن السياسي عندما يعجز عن حل أزمته يمكن أن يستدعي الجيش!!
والشعب..
بدل أن يرفض هذه الثقافة من أصلها..
تعامل معها أحيانًا باعتبارها حلًا!!
وهذه كانت بذرة خطيرة جدًا.
🛑 ثم جاءت فرصة أخرى.. وضاعت!!
في نوفمبر 1988م توصل السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي إلى اتفاق مع الدكتور جون قرنق والحركة الشعبية لتحرير السودان.
كان الاتفاق محاولة سياسية لإنهاء الحرب وإعادة فتح الطريق أمام مؤتمر دستوري ومعالجة جذور الأزمة.
كانت فرصة للسلام.
وكان يمكن أن تكون بداية طريق مختلف للسودان.
لكن الاتفاق واجه معارضة شديدة من الجبهة الإسلامية القومية، كما واجه اعتراضات وانقسامات داخل القوى السياسية المشاركة في الحكم، ولم يُنفذ في صورته التي أُعلن بها.
ثم جاءت أزمة 1989..
ثم جاءت الدبابة مرة أخرى!!
وفي 30 يونيو 1989م استولى عمر البشير على السلطة بانقلاب عسكري، بدعم وتنظيم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي.
وهكذا أُغلقت نافذة الديمقراطية..
وبدأت واحدة من أطول التجارب السلطوية في تاريخ السودان الحديث.
🛑 ثلاثون عامًا من الإنقاذ.. ثم ماذا؟!
ثلاثة عقود تقريبًا من الحكم.
تمكين..
أجهزة أمنية..
حزب حاكم..
إقصاء سياسي..
حروب..
فساد..
عقوبات..
انهيار اقتصادي..
ثم انفصال الجنوب.
وفي 2005م وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاق السلام الشامل.
ومن أخطر ما تضمنه الاتفاق:
حق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، بالوحدة أو الانفصال.
ثم جاء الاستفتاء في يناير 2011م.
وصوّت الجنوبيون بأغلبية ساحقة للاستقلال.
وفي 9 يوليو 2011م أصبح جنوب السودان دولة مستقلة.
لا أقول إن اتفاق السلام وحده هو الذي صنع الانفصال.
فأسباب الأزمة الجنوبية أقدم وأعمق من ذلك بكثير.
لكن السؤال الذي يجب أن نسأله:
ماذا فعلت ثلاثون سنة من الحكم؟!
هل بنت دولةً جعلت الوحدة جذابة؟!
هل عالجت جذور التهميش؟!
هل بنت مؤسسات وطنية يتساوى أمامها السودانيون؟!
هل جعلت السودان دولةً مستقرةً يتنافس الناس فيها سياسيًا بدل أن يتقاتلوا بالسلاح؟!
الجواب أمامنا..
لا!!
🛑 ثم جاءت ثورة ديسمبر..
وهنا ظن السودانيون أن التاريخ يمكن أن يبدأ من جديد.
سقط البشير.
وانفتح الباب أمام انتقال مدني.
وجاءت حكومة الدكتور عبد الله حمدوك.
وكان المفترض أن تكون المعارضة في أي نظام ديمقراطي معارضةً دستورية:
تراقب..
تنتقد..
تكشف الفساد..
تقترح البدائل..
وتنتظر الانتخابات.
لكن جزءًا كبيرًا من الثقافة السياسية السودانية ظل أسيرًا للمرض القديم:
إذا نجحت الحكومة.. انتهينا نحن!!
وهذه مصيبة!!
لأن نجاح الحكومة ليس هزيمةً للمعارضة.
نجاح الحكومة نجاح للسودان.
وفشلها لا ينبغي أن يكون هدف المعارضة.
فإذا فشلت..
تنتظر المعارضة الانتخابات..
وتقول للشعب:
لقد فشلوا..
فامنحونا ثقتكم.
هذه هي السياسة!!
لكن أن تعمل المعارضة على إفشال الحكومة بأي وسيلة، لأن نجاحها يعني نهاية مشروعك السياسي، فهذه ليست معارضةً ديمقراطية.
هذه عصبية سياسية.
🛑 وقد رأينا هذا بوضوح بعد سقوط البشير.
قوى من الحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض لم تكن تريد لمسار الانتقال المدني أن ينجح.
ورُفعت شعارات ومواقف واضحة بأن حكومة حمدوك وقوى الحرية والتغيير يجب ألا تنجح.
وكان المنطق في جوهره:
إذا نجحوا.. انتهينا إلى الأبد!!
وهنا أسأل:
هل السودان شركة خاصة لحزب؟!
هل نجاح المدنيين يعني نهاية السودان؟!
هل نجاح الديمقراطية هزيمة للإسلاميين؟!
هل نجاح حكومة انتقالية يعني خسارة الوطن؟!
أليس الوطن أكبر من الحزب؟!
لكن عندما يصبح الحزب أكبر من الوطن..
يبدأ السياسي في تمني فشل الدولة حتى ينتصر هو!!
وقد شهدت تلك المرحلة أزمات سياسية واقتصادية واحتجاجات وعمليات تعطيل واستقطاب حاد، ثم انتهى الأمر إلى مشهد 25 أكتوبر 2021م.
انقلاب جمع في بدايته البرهان وحميدتي في معسكر واحد ضد المسار الانتقالي.
ثم..
كما يحدث دائمًا عندما يجتمع أصحاب القوة على السلطة:
اختلفوا!!
وتحول الحليف إلى خصم.
وتحول الشريك إلى عدو.
ثم جاءت الحرب!!
🛑 وهنا نصل إلى 15 أبريل 2023م..
وهنا لا بد أن نكون واضحين جدًا.
هذه ليست حربًا سقطت من السماء.
قبل الحرب كان هناك:
جيش..
ودعم سريع..
وسلاح خارج المؤسسة العسكرية..
وصراع على السلطة..
وصراع على مستقبل الدولة..
وخلاف حول دمج الدعم السريع..
وخلاف حول توقيت الدمج..
وخلاف حول من يملك القرار العسكري..
ثم انفجر الصراع بين البرهان وحميدتي.
وانفجرت معه الدولة السودانية.
ومنذ ذلك اليوم..
يدفع المواطن السوداني الثمن.
🛑 ولكن ما الذي يدهشنا أكثر من الحرب نفسها؟!
أن المسؤولين عن القرار السياسي والعسكري الذي أوصل البلاد إلى هذه الكارثة ما زال لهم أنصار يهتفون لهم!!
قائد الجيش يقول:
نحن نحارب من أجل الدولة.
وقائد الدعم السريع يقول:
نحن نحارب من أجل الدولة.
وكل طرف يقول:
نحن نحمي الشعب.
ثم يسأل المواطن:
أين هذه الدولة التي تتحدثون عنها؟!
أين الشعب الذي تقولون إنكم تحمونه؟!
إذا كان السودان قد فقد:
الأمن..
والاقتصاد..
والخدمات..
والبنية التحتية..
والاستقرار..
والملايين من مواطنيه أصبحوا نازحين ولاجئين..
فماذا بقي من رواية «نحن نحمي السودان»؟!
🛑 البرهان وحميدتي مسؤولان مباشرة عن الكارثة!!
هذه حقيقة لا ينبغي أن نخاف من قولها.
الجيش مؤسسة وطنية عظيمة في أصلها، ولا يجوز أن نخلط بين المؤسسة وبين أخطاء قياداتها.
والدعم السريع قوة نشأت في سياق سياسي وعسكري معروف، ولا يجوز أن نخلط بين كل من أُجبر على القتال وبين قرارات قيادتها.
لكن المسؤولية السياسية والعسكرية عن القرارات التي قادت إلى الحرب تقع على عاتق من امتلكوا القرار.
البرهان وحميدتي.
هما اللذان كانا في قمة القوة العسكرية والسياسية قبل انفجار الحرب.
وهما اللذان كان عليهما أن يمنعا الحرب.
فلم يمنعاها.
ثم تحولت الحرب إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.
قتل..
نزوح..
لجوء..
جوع..
اغتصاب..
انتهاكات..
نهب..
تدمير للمدن..
وانهيار للدولة.
ثم يأتي سوداني ليقول:
أنا مع البرهان مهما فعل!!
ويأتي آخر:
أنا مع حميدتي مهما فعل!!
لماذا؟!
لأن العصبية!!
🛑 وهنا بالضبط نفهم معنى: «فَاستخفَّ قومَه فأطاعوه»
الطاغية لا يحتاج دائمًا إلى أن يجبر الجميع على طاعته.
يكفي أن يجعل الناس يخافون من بعضهم..
ثم يجعل كل فريق يرى نفسه مضطرًا للوقوف خلفه.
يقول لهم:
أنا أحميكم من هؤلاء!!
والطرف الآخر يقول:
أنا أحميكم من أولئك!!
فتتحول البلاد إلى معسكرين..
ويصبح الشعب وقودًا للصراع.
وهذا هو أحد أخطر أساليب الطغاة عبر التاريخ:
اصنع عدوًا دائمًا.. ثم اجعل نفسك حاميًا للشعب منه!!
فكلما خاف الناس..
زاد اعتمادهم عليك.
وكلما انقسموا..
قويت أنت.
وكلما كرهوا بعضهم..
أصبحوا أكثر استعدادًا لطاعتك.
ولهذا قال الله سبحانه عن فرعون:
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[القصص: 4]
إنه التقسيم.
«نحن» و«هم».
«وطنيون» و«خونة».
«مسلمون» و«علمانيون».
«جيش» و«دعم سريع».
«شمال» و«جنوب».
«دارفور» و«الشمال».
«مع البرهان» و«مع حميدتي».
وهكذا..
كلما انقسم الشعب..
كان التحكم فيه أسهل.
🛑 وهذه ليست نظرية سودانية فقط.
ابن خلدون، قبل قرون، وضع يده على علاقة الاستبداد بخراب الدول حين قال:
«الظلم مؤذن بخراب العمران».
والمعنى أوسع من ظلم فرد لفرد.
فالظلم حين يصبح نظامًا سياسيًا..
وحين تصبح الدولة أداةً في يد جماعة..
وحين يصبح المواطن تابعًا لا شريكًا..
فإن خراب العمران يصبح مسألة وقت.
وقد قال الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لا بويسي في حديثه عن الاستبداد ومعاونة الشعوب للطغاة، بمعنى بالغ الخطورة:
إن الطاغية لا يملك من القوة ما يكفي لإخضاع شعب كامل لو لم يجد من الشعب من يعاونه على استمرار سلطانه.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق:
من الذي يمنح الطاغية هذه القوة؟!
الدبابة؟!
نعم.
السلاح؟!
نعم.
الأجهزة الأمنية؟!
نعم.
لكن هناك قوة أخرى أخطر:
المواطن الذي يدافع عنه مهما فعل!!
🛑 وهنا لا أريد أن أظلم الشعب السوداني.
فلا يجوز أن نقول إن المواطن الجائع هو المسؤول عن الجوع.
ولا أن نقول إن النازح مسؤول عن نزوحه.
ولا أن نقول إن المغتصبة مسؤولة عن اغتصابها.
ولا أن نقول إن من قُتل مسؤول عن قتله.
المجرم مسؤول عن جريمته.
وقائد الحرب مسؤول عن قراره.
والقائد العسكري مسؤول عن أوامره.
والسياسي مسؤول عن موقفه.
لكن السؤال مختلف:
من الذي يساعد هؤلاء على الاستمرار؟!
من الذي يهتف لهم؟!
من الذي يبرر لهم؟!
من الذي يسكت عن أخطائهم؟!
من الذي يخاف أن يعترف بأن جماعته أخطأت؟!
من الذي يقول:
«حتى لو أخطأ قائدنا.. لا يمكن أن نتركه»؟!
هنا تبدأ مسؤولية المجتمع.
🛑 أيها الشعب السوداني.. أنتم أيضًا مسؤولون!!
ليس عن جرائم القادة.
ولكن عن استمرار الثقافة التي صنعت القادة الذين لا يخافون المحاسبة.
أنتم الذين تعطونهم أصواتكم.
وأنتم الذين تهتفون لهم.
وأنتم الذين تبررون لهم.
وأنتم الذين تخافون من الاعتراف بخطئهم.
وأنتم الذين تجعلون الولاء للحزب أو الطائفة أو القبيلة أو القائد أقوى من الولاء للسودان.
أنتم الذين تسمحون لقادة أحزابكم وطوائفكم وقادة الجيش والحركات المسلحة أن يتلاعبوا بعقولكم، ويستغلوكم لمصالحهم الخاصة وغير الوطنية.
فكيف تريدون منهم أن يتغيروا؟!
🛑 انظروا إلى الديمقراطيات المستقرة!!
الحكومة تنجح..
فيعيدها الشعب.
تفشل..
فيُسقطها الشعب في الانتخابات.
ويأتي حزب آخر.
فإذا نجح..
أعاد الشعب انتخابه.
وإذا فشل..
أسقطه.
هكذا تتعلم الأحزاب.
وهكذا يتعلم الحكام.
وهكذا تتطور الدولة.
أما عندنا..
فإذا فشل الحزب قال أنصاره:
سنظل معه!!
وإذا فشل القائد قالوا:
لن نتخلى عنه!!
وإذا أخطأ قالوا:
الظروف!!
وإذا ارتكب جريمة قالوا:
لكن خصمه فعل أسوأ!!
وإذا انهارت الدولة قالوا:
المهم ألا ينتصر الآخرون!!
فتستمر الحلقة!!
🛑 والأخطر من ذلك.. مرض المعارضة!!
المعارضة في النظام الديمقراطي ليست عدوًا للحكومة.
المعارضة عين الشعب على الحكومة.
تراقبها..
تحاسبها..
تكشف أخطاءها..
وتقدم البديل.
لكن عندما تصبح فلسفة المعارضة:
لن نسمح للحكومة بالنجاح مهما كلف الأمر!!
فهنا تتحول المعارضة إلى جزء من الأزمة.
لأن نجاح الحكومة يعني نجاح السودان.
وليس نجاح الحزب الحاكم.
وفشل الحكومة لا ينبغي أن يكون هدف المعارضة.
بل ينبغي أن يكون نتيجةً لأخطائها، ثم يحكم الشعب عليها.
أما أن تعمل على إفشال الدولة حتى تفشل الحكومة..
فهذه جريمة سياسية في حق الوطن.
🛑 وهكذا ظل السودان يدور في الحلقة نفسها!!
حزب يخاف من نجاح خصمه..
وطائفة تخاف من صعود الطائفة الأخرى..
حركة تخاف من فقدان نفوذها..
عسكري يخاف من المدني..
مدني يخاف من العسكري..
إسلامي يخاف من الديمقراطية..
علماني يخاف من الإسلاميين..
قبيلة تخاف من قبيلة..
إقليم يخاف من إقليم..
ثم يأتي القائد ويقول:
أنا أحميكم!!
فيهتف له الناس.
وهكذا:
«فَاستخفَّ قومَه فأطاعوه»!!
🛑 وهنا يجب أن نفهم شيئًا مهمًا جدًا:
الطاغية لا يدجن الشعب فقط بالقوة.
أحيانًا يدجنه بالشعارات.
وأحيانًا بالخوف.
وأحيانًا بالفقر.
وأحيانًا بتقسيمه.
وأحيانًا بإغراقه في الكراهية.
وأحيانًا بجعله يعتقد أن بقاء الزعيم هو بقاء الوطن.
وهذه أخطر مرحلة.
عندما يصبح المواطن غير قادر على تخيل الوطن دون قائده!!
فيقول:
إذا سقط قائدنا سقط السودان!!
لا!!
السودان لا يسقط بسقوط شخص.
الدولة التي تسقط بسقوط شخص ليست دولةً مؤسسية.
والجيش الذي يتوقف على شخص ليس جيشًا وطنيًا مكتمل المؤسسات.
والحزب الذي لا يعيش إلا بزعيم ليس حزبًا ديمقراطيًا ناضجًا.
والوطن الذي يصبح ملكًا لجماعة ليس وطنًا لجميع مواطنيه.
🛑 والقرآن يحذرنا من هذا النوع من الطاعة.
قال الله تعالى:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾
[الأحزاب: 67-68]
لاحظوا:
«إِنَّا أَطَعْنَا»!!
لم يقولوا:
نحن لم نكن نعرف.
قالوا:
أطعناهم.
وهذه مسؤولية خطيرة.
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
فالحاكم مسؤول..
والقائد مسؤول..
والسياسي مسؤول..
والعالم مسؤول..
والمواطن مسؤول عن اختياراته ومواقفه وقدر استطاعته.
والنبي ﷺ لم يجعل الإمارة غنيمة.
بل قال لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه:
«لا تَسألِ الإمارةَ، فإنك إن أُعطيتَها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعنتَ عليها».
وقال لأبي ذر رضي الله عنه:
«إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة».
فإذا كانت الإمارة عند رسول الله ﷺ أمانةً وخزيًا وندامةً لمن لم يؤد حقها..
فكيف أصبح عندنا الوصول إلى السلطة يستحق أن نخوض من أجله حربًا؟!
وكيف أصبح الكرسي أغلى من دماء الناس؟!
وكيف أصبح بقاء الجماعة في الحكم أهم من بقاء الدولة؟!
🛑 يا أهل السودان..
لقد آن الأوان أن نعترف بالمرض.
مشكلتنا ليست فقط:
البشير..
ولا البرهان..
ولا حميدتي..
ولا الحركة الإسلامية..
ولا الدعم السريع..
ولا حزب الأمة..
ولا الاتحادي..
ولا الشيوعي..
ولا البعث..
ولا أي حزب أو حركة بمفردها.
هذه كلها وجوه مختلفة لمرض أعمق:
أن نضع الجماعة فوق الوطن.. والزعيم فوق المؤسسة.. والحزب فوق الدولة.. والمصلحة السياسية فوق الحقيقة.
ثم نستغرب لماذا يفشل السودان!!
🛑 نحن لا نحتاج إلى شعب يكره القادة.
نحتاج إلى شعب لا يقدسهم.
نحتاج إلى مواطن يستطيع أن يقول لقائده:
أنت أخطأت!!
دون خوف.
وأن يقول لحزبه:
أنتم فشلتم!!
دون خجل.
وأن يقول لطائفته:
هذا الموقف غير صحيح!!
دون أن يخشى فقدان هويته.
وأن يقول للجيش:
الجيش مؤسسة وطنية.. وليس ملكًا لقائده!!
وأن يقول للدعم السريع:
لا توجد قوة فوق الدولة!!
وأن يقول للحركة الإسلامية:
الدين ليس صك براءة سياسية!!
وأن يقول للحزب:
السودان أولًا!!
🛑 وهنا فقط تنتهي متلازمة «استخف قومه فأطاعوه»!!
عندما يصبح الشعب واعيًا..
لا يخاف من الحقيقة.
ولا يخاف من الاعتراف بالخطأ.
ولا يخاف من شماتة الخصوم.
ولا يبيع وطنه من أجل حزبه.
ولا يبرر جريمة لأن مرتكبها من جماعته.
ولا يهتف لقائد لأنه «قائدنا».
ولا يقتل أخاه لأن زعيمه قال له إنه عدو.
ولا يحمل السلاح دفاعًا عن رجل يريد السلطة والثروة.
ولا يقبل أن يكون وقودًا لحرب لا يدري لماذا بدأت!!
🛑 أيها الشعب السوداني..
انظروا إلى السودان اليوم.
ثم اسألوا أنفسكم:
من استفاد من الحرب؟!
ومن خسر؟!
من يملك القصور والسيارات والحماية؟!
ومن يسكن المعسكرات؟!
من يملك السلاح؟!
ومن يبحث عن رغيف الخبز؟!
من يقرر الحرب؟!
ومن يموت فيها؟!
من يشعل النار؟!
ومن يحمل أطفالَه ويهرب بها عبر الحدود؟!
هذه الأسئلة وحدها تكفي لإيقاظ الإنسان من وهم الشعارات.
🛑 الجوع كاااافر..
لكن الجوع ليس وحده المشكلة.
المشكلة أن تجوع..
ثم تهتف لمن تسبب في جوعك.
أن تفقد بيتك..
ثم تدافع عن من دمر بيتك.
أن تصبح لاجئًا..
ثم تبرر لمن تسبب في تهجيرك.
أن تفقد ابنك..
ثم تقول:
قائدنا لا يخطئ!!
هنا لا تكون المشكلة في القائد وحده.
هنا تكون المشكلة في العقل الذي سمح للقائد أن يصبح فوق النقد والمحاسبة!!
🛑 السودان لن يخرج من هذه الدائرة إذا ظللنا نبحث عن «الزعيم المنقذ».
لن ينقذنا البرهان.
ولن ينقذنا حميدتي.
ولن تنقذنا الحركة الإسلامية.
ولن تنقذنا أي حركة مسلحة.
ولن ينقذنا حزب.
ولن ينقذنا طائفة.
الذي ينقذ السودان هو:
دولة المؤسسات.
دولة القانون.
دولة المواطنة.
دولة لا قداسة فيها للحاكم.
ولا حصانة فيها للسياسي.
ولا جيش فيها فوق الدولة.
ولا ميليشيا فوق القانون.
ولا حزب فوق الوطن.
ولا طائفة فوق المواطن.
ولا دين يُستخدم غطاءً للاستبداد.
ولا معارضة ترى في خراب الدولة انتصارًا لها.
🛑 وأخطر ما يجب أن نتعلمه من هذه المأساة..
أن إسقاط الطاغية وحده لا يكفي.
إذا بقيت عقلية الطغيان في المجتمع..
سيأتي طاغية آخر.
وإذا بقيت العصبية السياسية..
سيأتي حزب آخر يفعل الشيء نفسه.
وإذا ظل الشعب يهتف للقائد مهما فعل..
فسيأتي قائد جديد يعرف أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء..
🫵 وأمامكم هذه النُخب السودانية عسكريين ومدنيين شيوخ دين وزعماء طوائف ورؤساء أحزاب ،تظل تتناسخ وتتكرر فينا منذ ماقبل إستقلال السودان ‼️
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع الذين يحملون السلاح.
بل مع الثقافة التي تجعل السلاح فوق السياسة، وتجعل الزعيم فوق الشعب، وتجعل الجماعة فوق الوطن!!
🛑 فهل نتعلم أخيرًا؟!
هل نتعلم أن السودان ليس ملكًا للبرهان؟!
ولا لحميدتي؟!
ولا للحركة الإسلامية؟!
ولا للدعم السريع؟!
ولا للجيش؟!
ولا للحركات المسلحة؟!
ولا للأحزاب؟!
ولا للطوائف؟!
السودان للسودانيين جميعًا.
ومن حق السوداني أن يختلف معك دون أن يكون خائنًا.
ومن حقه أن ينتقد قائدك دون أن يكون عدوًا.
ومن حقه أن يرفض الحرب دون أن يكون متآمرًا.
ومن حقه أن يرفض الانقلاب دون أن يكون ضد الجيش.
ومن حقه أن يرفض الدعم السريع دون أن يكون مع البرهان.
ومن حقه أن يرفض الحركة الإسلامية دون أن يكون ضد الإسلام.
ومن حقه أن يرفض كل هذه الأطراف معًا..
لأنه ببساطة:
سوداني يريد وطنًا!!
🛑 وأخيرًا..
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]
ولعل أول ما يجب أن نغيره في أنفسنا هو هذه العصبية التي جعلتنا نغفر لقادتنا ما لا نغفره لخصومهم.
أن نتوقف عن قول:
«قائدنا أخطأ.. لكن…»
ونبدأ بقول:
«قائدنا أخطأ.. إذن نحاسبه!!»
أن نتوقف عن الخوف من شماتة الخصوم..
وأن نخاف من استمرار الخطأ.
أن نتوقف عن حماية الجماعة..
وأن نحمي الوطن.
أن نتوقف عن تقديس القادة..
وأن نقدس الحق والعدل.
فربما يكون أول طريق الخلاص من المأساة السودانية هو أن يتوقف الشعب عن أن يكون وقودًا للقادة..
وأن يبدأ في أن يكون رقيبًا عليهم.
فلا البرهان فوق السودان..
ولا حميدتي فوق السودان..
ولا الحركة الإسلامية فوق السودان..
ولا الدعم السريع فوق السودان..
ولا أي حزب أو طائفة أو حركة فوق السودان.
السودان فوق الجميع!!
والسوداني الذي يرى بلاده تحترق ثم يظل يهتف لمن أشعل الحرب، أيًّا كان اسمه أو موقعه أو شعاره، يحتاج قبل أن يسأل:
من قتل السودان؟!
أن يسأل نفسه أولًا:
لماذا ما زلت أهتف له؟!
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾
فهل آن الأوان أن نسترد عقولنا قبل أن نحاول استرداد وطننا؟!
الجوع كاااافر..
لكن الأخطر منه:
أن يجوع الشعب، ويُقتل، ويُهجّر، ويُغتصب، ثم يظل يهتف لمن أوصله إلى الجوع والقتل والتهجير!!
متى نتوقف عن أن نكون وقودًا لصراعاتهم؟!
**ومتى يصبح السودان أولًا؟!**



