
بنك السودان المركزي على موقعهم الرسمي نشرو الموجز الاحصائي للميزان التجاري النصف سنوية ، والمقال دا حيشرحها وفي نفس الوقت حخت ليكم الرابط في التعليقات، الموضوع مخيف اكثر من ما تتصور، رسلها لي صديقي البلبوسي وبقولي بالحرف “يا معد انا حاليا قاعد ادفع تكلفة موقفي من الحرب دي وغالبا حستمر في دفع التمن”، اظن اتكلمنا اكتر من ساعة وهو شاب عابر جدا في مجاله وصادق جدا مع نفسه ورغم مواقفنا المختلفة اتفقنا في كثير من الامور والمواضيع
نخش في الموضوع
الميزانية والميزان التجاري ما عندهم وطنية وما بجاملوا زول والموجز الإحصائي للنصف الأول من 2026 الصادر من بنك السودان المركزي زي الأشعة ما بقول ليك المريض حيموت بكرة،
لكن بوريك أعضاء الجسم شغالة كيف، وأي عضو قاعد يفشل والأرقام هنا ما محتاجة معارضة ولا مؤامرة دولية عشان تخوفك
خلال ستة شهور السودان صدر بحوالي 1.816 مليار دولار، وفي نفس الفترة استورد بحوالي 4.517 مليار، يعني عندك عجز تجاري يقارب 2.7 مليار دولار. ببساطة شديدة، البلد قاعدة تشتري من العالم بحوالي ضعفين ونص الحاجة البتقدر تبيعها ليه او تنتجها كدولة كااااملة
وممكن بكل سهولة تطلع من نفس التقرير ببوست احتفالي بعنوان [قفزة كبيرة في الصادرات السودانية]، وفعلا تكون ما كذبت. المشكلة إن الواردات قاعدة تطلع أسرع، والعجز قاعد يكبر. ودي واحدة من الحيل الجميلة في الاقتصاد السياسي ما ضروري تكذب في الرقم، كفاية تختار الرقم البعجبك وتدفن العلاقة البينه وبين بقية الأرقام. ممكن محل مبيعاته تزيد 30% وتعمل ليه احتفال، لكن لو مصروفاته زادت 50% فالمحل ما اتحسن، المحل بس بقى يخسر بصورة أكثر أناقة. ودا تقريبا الحاصل انو في حركة أكتر، لكن الاختلال ذاته أكبر
ومن إجمالي 1.816 مليار دولار صادرات، الذهب عملت حوالي 1.135 مليار. يعني أكتر من 62% من قيمة الصادرات الرسمية جاية من معدن واحد بنطلعو من الأرض ونبيعو. الحيوان الحي حوالي 287 مليون، السمسم 130 مليون، وبقية المحاصيل والصمغ والقطن بتكمل المشهد. أما السلع المصنعة؟ حوالي 1.4 مليون دولار فقط. نعم، مليون وليس مليار. يعني الصادرات الصناعية المسجلة أقل من واحد على عشرة من الواحد في المية من إجمالي الصادرات. دي ما تفصيلة صغيرة دي تقريبا تعريف كامل لشكل الاقتصاد نحن ما دولة فقيرة في الموارد، نحن دولة فقيرة في تحويل الموارد. عندنا المادة، لكن القيمة المضافة بتتولد في مكان تاني. عندنا الحيوان، لكن الصناعة الغذائية والجلود والتعبئة والتبريد والسلاسل اللوجستية ضعيفة. عندنا القطن، لكن ما عندنا صناعة نسيج تصديرية بالمستوى المفروض. عندنا الذهب، لكن النموذج الأساسي لسه هو احفر، استخرج، بيع ، ودا هو تعريف الاقتصاد الكسول او ممكن نقول غبي عديل،
قبل كدا كتبت بوست عن كيف انا وضياء لقينا تمويل بي 3 مليون دولار لفكرة مصنع احذية جلدية لاننا عايزين نستغل الثروة الحيوانية الضخمة دي، وبعد سنة من الدراسة اكتشفنا انك عشان تعمل حذاء جلدي انت محتاج تبني السودان كلو، ايوا انت بتشوف البقرة قدامك لكن لو سلختها وشلت الجلد عملتو حذاء انت حتخسر ، فاحسن تسيبها، و لقينا انو ما عندنا مدابغ كاملة كلها بتمشي مصر نص تشطيب وبرجعوها لينا في شكل منتجات
ودي النقطة البتخلي عبارة [السودان بلد غني] واحدة من أكثر العبارات المضللة البرددها السودانيين وهم مبسوطين. الذهب تحت الأرض ما GDP، والبقرة الماشّة في المراعي ما مصنع لحوم، والقطن ما قميص، والصمغ العربي ما شركة أدوية. الموارد الخام ما ثروة اقتصادية مكتملة هي مجرد إمكانية. الثروة الحقيقية هي المؤسسة البتاخد الحاجة الخام وتضيف ليها معرفة وتقنية وتنظيم وتسويق وتمويل وقانون وسلاسل توريد. عشان كده دول ما عندها عشر موارد السودان ممكن تكون أغنى من السودان بعشرات المرات، لأنها بتبيع للناس شغل العقل، ونحن بنبيع ليهم شغل الجيولوجيا والمطر
طيب بعد ما نبيع الذهب والحيوان والسمسم، نعمل شنو بالدولار؟ نرجع نشتري الحاجات البقينا عاجزين نوفرها جوة الاقتصاد ..وقود، غذاء، دواء، آلات، مواد إنتاج. وهنا تبدأ الدائرة الشريرة. السودان ما محتاج الدولار عشان يجيب عطور وسيارات فارهة بس؛ محتاج الدولار عشان يجيب حاجات داخلة مباشرة في حياة الناس وفي تكلفة كل حاجة تانية. الوقود مثلا ما منتج في الطلمبة، هو جزء من سعر المواصلات والزراعة والمخابز والتبريد والمصانع والنقل بين الولايات. القمح ما بس سلعة مستوردة، هو داخل مباشرة في الأمن الغذائي. الدواء ما كمالية. فكل مرة الجنيه يضعف قدام الدولار، الصدمة ما بتقف في شاشة صراف آلي أو تطبيق عملات؛ بتمشي من الدولار للطلمبة، ومن الطلمبة للشاحنة، ومن الشاحنة للسوق، ومن السوق للفطور بتاعك.
الاحتمال الأكبر اقتصاديا انو الدولار يواصل الصعود مقابل الجنيه، مش لأن الدولار عندو مشكلة شخصية مع السودان، لكن لأنك ببساطة عندك طلب مزمن على العملة الصعبة أكبر من القدرة الرسمية على إنتاجها. دي ما نبوءة، دي علاقة عرض وطلب. عندك بلد محتاجة مليارات للواردات، بينما صادراتها الرسمية أقل بكثير وجزء ضخم منها مربوط بالذهب وأسعاره العالمية. لو ما حصل تحسن حقيقي في الإنتاج، أو تدفقات كبيرة ومستقرة من عملات أجنبية، أو انخفاض في الطلب على الواردات، أو استقرار سياسي يعيد الاستثمار والتحويلات والثقة، الجنيه حيظل تحت ضغط والسوق الموازي في الحالة دي ما هو الشيطان البخلق المشكلة من العدم هو في الغالب المرآة البتوريك انو الدولار الحقيقي أندر من السعر الرسمي البتحاول الدولة تقنعك بيه
وهنا بتظهر المفارقة العسكرية المضحكة الدولة تتعامل مع الدولار أحيانا كأنه متمرد مسلح، وكأن الحل إنك ترسل ليه قوة مشتركة. اقفل تاجر العملة، صادر النقد، شدد الرقابة، امنع التحويل، جرم التعامل، اعمل لجنة جديدة، وبعد داك تنتظر إن سعر الصرف يحترم هيبة الدولة. لكن سعر الصرف ما عنده رتبة عسكرية. لو عندك عشرة زباين دايرين دولار وفي دولار واحد موجود، الدولار حيطلع، حتى لو وقفت جنبو دبابة. ممكن تمنع السعر من الظهور في مكان .



