في زحمة الأخبار اليومية، تمرّ كثير من الحوادث دون أن تترك أثرًا طويلًا. لكن بعض الأسماء لا يمكن أن تمرّ هكذا. الطفلة مودة محمد آدم كمبو واحدة من تلك الأسماء التي تتوقف عندها الكلمات، لأن ما حدث لها يتجاوز حدود الخبر إلى صدمة إنسانية عميقة.
في ساعات الليل، اقتحم شخص مجهول منزل أسرة سودانية، المكان الذي يُفترض أن يكون آخر حدود الأمان، وانتهى الأمر بجريمة لا يمكن للعقل الإنساني تقبّلها: مقتل طفلة بلا ذنب، وبلا أي مبرر أخلاقي أو إنساني.
مودة لم تكن في شارع، ولم تكن وسط نزاع، ولم تكن تعرف الخوف أصلًا. كانت في بيتها. وهذه الحقيقة وحدها تجعل الجريمة أكثر قسوة، لأنها تعني أن الأمان نفسه بات هشًا، وأن الخطر لم يعد بعيدًا كما كنا نعتقد.
هذه الجريمة ليست مأساة أسرة واحدة فقط، بل جرح مفتوح في جسد المجتمع كله. حين يُستباح دم طفل داخل منزله، فإن الشعور الجماعي بالأمان يتصدّع، ويبدأ الخوف في التسلل إلى قلوب كل الآباء والأمهات، وإلى نوم الأطفال الآخرين.
كمجتمع، لا يكفي أن نحزن ثم ننسى. الحزن وحده لا يمنع تكرار الجرائم، ولا يحمي الأرواح البريئة. ما حدث يفرض أسئلة قاسية: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وكيف أصبح العنف قادرًا على الوصول إلى أكثر الفئات ضعفًا؟ وأين نقف جميعًا من مسؤولية حماية الأطفال؟
الصمت في مثل هذه القضايا ليس حيادًا، بل خطر. والتعامل معها كحادثة عابرة يفتح الباب أمام تكرارها. العدالة هنا ليست مطلبًا عاطفيًا، بل ضرورة أخلاقية، ورسالة واضحة بأن دم الأطفال خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الواجب الآن هو تحقيق جاد وشفاف، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة الجاني دون تهاون. فالعدالة المتأخرة لا تعيد مودة، لكنها قد تحمي طفلة أخرى.
رحلت مودة قبل أن تكبر، وقبل أن تحلم، وقبل أن تتعرّف على العالم. لكن اسمها يجب ألا يُنسى، لأن نسيانه يعني القبول بما حدث، والقبول هو أخطر ما يمكن أن نصل إليه.
رحم الله الطفلة مودة محمد آدم كمبو،
وألهم أهلها الصبر،
ولعل هذه الفاجعة تكون نقطة وعي، لا مجرد خبرٍ يُطوى مع الأيام.



