
سمير البحيري
في أحد شوارع حي فيصل بالقاهرة الذي يضج بالحياة، كان عم حسن يقف على عربة خضار بسيطة، بجوار أحد المساجد.. العربة بالنسبه له تحمل دفء من نوع خاص وألفة لا تغيب، فهي كل حياته منذ أن أتى إلى مصر أخا مرحبا به، وليس لاجئا كما يحلو للبعض أن يصف كل وافد.. عم “حسن عبدالحليم سيد احمد” كان يبيع الخضار بقلب عامر، وكبرياء لا ينكسر وابتسامة لا تفارق ثغره، مع كل زبون يشتري مايلزمه من خضار، تعود عليه مرتادو المسجد والمصلون، كوجه سوداني بشوش، يبتاعون منه ما يلزمهم من خضروات، ولايعرفون أن هذا الوجه يخفي خلفه عالما كبيرا في علم الفيزياء، وكان يشغل عميد كلية التربية في السودان، وله أبحاث وكتب تدرس في كل جامعات البلد الشقيق على اتساعه.
عم حسن لم يفصح لأحد عن ما يخفيه صدره، عن أنه عالم مرموق، في علم الفيزياء، بل حرص على كتمان هذا السر، متقبلا لوضع قد يطول أو يقصُر، هو ونصيبه، فيقول الشاعر ما بينَ غمضةِ عينٍ وانتباهَتِهَا … يُغَيِّرُ اللهُ منْ حالٍ إلى حالِ، وهو ما يؤمن به عم حسن، بأن مصير العباد في يد الله، فهو الذي يترك عربة الخضار ويلبي نداء الصلاة، مع كل فرض، ويخرج ثانية يمارس عمله بإتقان، وكأنه ولِد كبائع خضار وليس كعالم فيزياء.
ذات يوم ووسط ضجيج شارع فيصل، وعم حسن يقف على عربة الخضار، وفي غياب الزبائن، انتهز الفرصة، وكعادتنا جميعا، راح يقلب في الفيس البوك الخاص به، فوقعت عيناه على إعلان لجامعة ألمانية تعلن عن وظائف شاغرة، وتطلب دكتور متفرغ في علم الفيزياء في أحد فروع الجامعة، في ألمانيا، فاحتفظ بالإعلان، إلى أن أنهى هذا اليوم منتهيا من بيع الخضار، وذهب لسكنه وقام بتقديم الأوراق المطلوبة، من نوع “إعمل اللي عليك والباقي على ربنا”، ومن ثم ذهب للنوم بعد عناء يوم كامل، على أن يصحى في الصباح ليعاود والوقوف على عربة الخضار.
مرت أسبوع وكمان أسبوع، وإذا برقم غير مألوف يتصل بــ هاتف عم حسن، فيبادر بالرد، آلو مين؟ .. معاك السفارة الألمانية، أنت الدكتور حسن.. نعم معاك الدكتور حسن.. مفيش عم حسن بقى.!!.. حضرتك تم قبولك لوظيفة مدرس فيزياء في جامعة بألمانيا، وعليك الذهاب للسفارة في أقرب فرصة لإتهاء إجراءات سفرك لتسلم عملك الجديد.
ذهب عم حسن لــ السفارة الألمانية، وكان الموظف في انتظاره، واستقبله استقبال يليق بـــ عالم كبير ودكتور مرموق في الفيزياء، وجلس في عزة وكرامة، وجاء الموظف من ردهة السفارة، قائلا له: أتفضل الملحق الثقافي يريد مقابلتك، وذهب وجلس مع الملحق ورحب به الأخير، وهنأه على قبوله كأحد أبرز وأهم المتقدمين للوظيفة’ وسلمه تذاكر الطيران وجواز سفره، مزينا بتأشيرة دخول ألمانيا، متمنيا له حياة مهنية سعيدة.
عم حسن قرر أن ينهي الفضل الأخير من فصول حياته في القاهرة بنفس الدراما ، فخرج من السفارة، وتوجه على الفور إلى المسجد الذي كان يقف إلى جانبه بعربة الخضار، ليزف لهم الخبر السعيد، عقب صلاة العصر، فانهالت عليه التهاني من المصلين، ولم يكن الوداع بالدموع فقط، بل كان وداعا ممتلئا بالفخر والدهشة والذهول، بأن بائع الحضار، الذي أحبوه على مدار 3 سنوات كاملة، ما هو إلا عالم مرموق، ومع كل ذلك كان يحمل قلب متواضع، وابتسامة لا تغيب ولم يتكبر، ليكون الوداع الأخير قبل التوجه إلى ألمانيا، تاركا ذكريات إنسانية لتبقى عربة الخضار تبكي فراقه الذي قد يغيب للأبد، وهي التي حافظت على سره سنوات. لييجسد عم حسن حالة دراماتيكية، يعجز هتشكوك، عن صياغتها بهذا السيناريو الجميل.
مع السلامة ياعم حسن



