
✍️ محمد الفاتح حضرة
🤔 كيف يُقتل شباب السودان جيلاً بعد جيل، ويُحرمون التعليم والعمل ومستقبل الحياة، ثم يُطلب من الشعب أن يصفّق لمن يحكمونه، ويمجّدوا الجنرال البرهان وشركاءه، وكأن شيئاً لم يحدث؟!
الطيب الهادي أحمد حامد، ابن السادسة عشرة، أحد ضحايا مجزرة المعدّنين في شمال شرق السودان.
يروي الشاعر الزين عبدالماجد الشريكابي الكاهلي أن الطيب فقد أباه وأمه، ثم لحق بهما، تاركاً وراءه ثلاثة إخوة صغار: عبدالقادر وجلال ومصطفى، وأختين: أم كلثوم ورقية.
رحل الطيب وهو مدين، ومن بين ديونه كيلتان من السمسم وأربعة شوالات من العيش!
فتى في السادسة عشرة، يحمل همّ إخوته، ويبحث عن لقمة عيشهم، ثم يرحل تاركاً وراءه أسرةً مكلومة وأطفالاً لا ملجأ لهم إلا الله.
أيُّ وجعٍ هذا؟! وأيُّ وطنٍ هذا الذي يُقتل فيه شابٌّ لأنه خرج يبحث عن الرزق الحلال؟!
💢 الطيب ليس حادثةً معزولة، وإنما حلقةٌ جديدة في مأساة الشباب السوداني، التي تمتد جذورها إلى سنوات طويلة من القمع والحروب وسوء إدارة الدولة.
🛑 من العيلفون إلى مجزرة المعدّنين… كم جيلاً من شباب السودان دفع حياته ثمناً لسياسات لا تصون حياة الإنسان ولا مستقبله؟!
في أبريل 1998، وقعت مجزرة معسكر العيلفون، حين حاول مجندون شباب الفرار من معسكر التدريب، فسقط عشرات القتلى، بينما ظلّت الروايات حول عدد الضحايا وملابسات مقتلهم موضع خلاف، وطالبت أسرهم بالحقيقة والعدالة.
وفي أبريل 1990، سبق ذلك إعدام 28 ضابطاً من القوات المسلحة، في واحدة من الوقائع التي ظلت حاضرة في سجل الانتهاكات المرتبطة بحكم نظام الإنقاذ.
ثم جاءت أحداث سبتمبر 2013، حين خرج السودانيون احتجاجاً على رفع الدعم وتدهور الأحوال المعيشية، فقُتل متظاهرون برصاص القوات الحكومية. ومن الأسماء التي وثّقتها قوائم الضحايا في نيالا: الهادي جابر، ومحمد إسماعيل، وقسيم نور، وآدم عبدالرحمن، وصباحي يعقوب، وآدم بريمة، وأنور محمد محمود، وعصام محمد محمود، وإبراهيم أحمد فضيل.
شباب خرجوا في مواجهة الغلاء والقهر، فسقط منهم من سقط، واستمرّت الأزمة التي دفعتهم إلى الشوارع.
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018، فخرج الشباب يطالبون بالحرية والسلام والعدالة، ويستعيدون حقهم في وطنٍ لا تحكمه قبضة الاستبداد.
ومن شهداء الثورة الذين لا ينبغي أن تُنسى أسماؤهم: أحمد الخير، الذي مات تحت التعذيب بعد اعتقاله في فبراير 2019، ومحمد عيسى «ماكور»، وأحمد صلاح أب ريش، وأبو ذر أسامة، وغيرهم من أبناء السودان الذين سقطوا في الاحتجاجات بمختلف المدن.
ثم جاءت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، فسقط محمد هاشم مطر وعباس فرح وكشة ورفاقهم، وسط واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ الثورة السودانية.
كان الشباب يحلمون بدولة مدنية، وبحكومة انتقالية تعيد بناء ما دمّره الاستبداد، وتفتح أبواب التعليم والعمل والتنمية أمام الأجيال الجديدة.
لكن القوى التي أعاقت الانتقال، وخنقت الحكومة بالأزمات، لم تترك ذلك الحلم يمضي إلى غايته.
ثم وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021، بقيادة البرهان وبمشاركة حميدتي، فعادت البلاد إلى حكم العسكر، وتفاقمت الأزمة السياسية والاقتصادية، وأُجهضت آمال جديدة للشباب السوداني.
وفي المواكب المناهضة للانقلاب، سقط مزيد من الشباب، ومن بينهم ست النفور ورفاقها، فيما واجه المتظاهرون القتل والإصابات والاعتقالات، وسقط ضحايا آخرون في مدن السودان المختلفة.
ثم جاء 15 أبريل 2023، فاندلعت الحرب بين طرفي الانقلاب، ودخل السودان مرحلةً غير مسبوقة من الخراب والدمار.
عشرات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين واللاجئين، ومدنٌ وقرى دُمّرت، ومصانع وأسواق ومؤسسات تعليمية خرجت من الخدمة، ومصادر رزق ضاعت، وأسرٌ وجدت نفسها بلا مأوى ولا دخل.
مجازر في الجنينة وزالنجي والفاشر وبابنوسة وغيرها، وجرائم وانتهاكات تستوجب التحقيق والمحاسبة، ومفقودون لا تعرف أسرهم مصيرهم حتى اليوم.
ثم مجزرة المعدّنين الأولى، وها هي مجزرة المعدّنين الثانية.
تتغير أسماء الضحايا، وتتعدد أماكن الموت، لكن الشباب السوداني لا يزال يدفع الثمن من حياته ومستقبله.
💢 وهنا تكمن المأساة الأكبر: لم يكتفوا بحرمان الشباب من فرص الحياة، بل تركوا كثيرين منهم أمام خياراتٍ قاسية، بين الفقر والتشرد والانخراط في التشكيلات المسلحة والميليشيات وعصابات النهب.
لا تعليمٌ يضمن لهم المستقبل، ولا برامج كافية لدعم الفقراء، ولا فرص عمل تستوعبهم، ولا مشروعات تنموية تفتح أمامهم أبواب الرزق الكريم.
وحين تضيق الحياة، يصبح السلاح عند بعض الشباب بديلاً عن العمل، ويصبح الانضمام إلى التشكيلات المسلحة وسيلةً للبقاء، بدلاً من أن تكون الدولة هي التي تحميهم وتوفر لهم أسباب العيش الكريم.
لكن الطيب وبعض رفاقه اختاروا طريقاً آخر.
آثروا الابتعاد عن الحرام والفتنة، وذهبوا إلى قلب الصحراء، يبحثون عن المعادن في باطن الأرض، لعلّهم يجدون رزقاً حلالاً يعينهم على الحياة وإعالة أسرهم.
لم يذهبوا للاستيلاء على السلطة، ولم يطلبوا امتيازات من الحاكم، ولم يخرجوا لفرض إرادتهم بالسلاح؛ ذهبوا يبحثون عن لقمة العيش، فعادوا ضحايا!
🛑 والآن، انظروا إلى المفارقة بين الطيب وشباب استاد الخرطوم!
في سبتمبر الماضي، ظهر البرهان في استاد الخرطوم، وسط تجمع للشباب وصنّاع المحتوى والرياضيين، وخاطبهم متحدثاً عن قدرات الشباب ودورهم في خدمة الوطن.
ثم استقبل وفداً من شباب مبادرة «ما نسيناكم» في مكتبه، وأشاد بالمبادرة وبرامجها.
ولا اعتراض على لقاء المسؤولين بالشباب، أو تشجيع مواهبهم ومبادراتهم؛ فهذا من واجبات الدولة.
لكن هل تُقاس رعاية الشباب بالصور والخطب واللقاءات، أم بما تقدمه الدولة لهم من تعليم وعمل وأمن ومستقبل؟!
أين شباب السودان الذين انقطعوا عن الدراسة؟!
أين الذين فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم؟!
أين الذين اضطروا إلى النزوح واللجوء، والذين لا يجدون ما يسدّون به رمق أسرهم؟!
وأين الطيب، الذي كان في نحو العاشرة من عمره عندما وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم انتهى به الحال قتيلاً في الصحراء وهو يبحث عن الرزق الحلال؟!
أيُّ اهتمامٍ بالشباب هذا الذي يحتفي ببعضهم أمام الكاميرات، بينما يُترك ملايين الشباب لمصيرهم في ظل الحرب والفقر وانهيار التعليم ومصادر الدخل؟!
وإذا صحّ ما يُتداول عن استقدام بعض صنّاع المحتوى ومغنّي الراب من خارج السودان، وإعادتهم على نفقة الدولة، فمن حق المواطنين أن يسألوا عن مبررات هذه النفقات، وأولويات الإنفاق العام، في بلدٍ يعاني فيه الناس من الجوع والنزوح وانعدام مصادر الرزق.
أموال الشعب السوداني ليست ملكاً للحاكم، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للدعاية السياسية وصناعة الولاءات.
الاهتمام الحقيقي بالشباب لا يُقاس بعدد الذين يصافحهم الحاكم، بل بعدد الذين يستطيعون الدراسة والعمل والعيش بأمان وكرامة.
ولا يُقاس بعدد الخطب التي يلقيها عن عزة الشعب وكرامته، بل بمدى حماية أرواح المواطنين، وصيانة حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم، ورعاية أسرهم.
💢 وأين كان البرهان وحكومته وأجهزته الاتحادية والولائية عندما قُتل الطيب ورفاقه؟!
أين تأمين مناطق التعدين؟ وأين التحقيق الجاد في المجزرة؟ وأين المحاسبة وجبر ضرر الأسر المنكوبة؟
تخرج حكومة العسكر الانقلابيين بيانات التضامن مع هذه الدولة وتلك السلطنة وتلك المملكة، حين تصيب شعوبها الكوارث، لكنها لا تمنح مأساة الشعب السوداني ما تستحقه من اهتمامٍ ومسؤولية!
أليس الشعب السوداني أولى بهذا الاهتمام، وهو الشعب الذي يتحدثون باسمه، واستولوا باسمه على السلطة والحكم والثروة؟!
وأين الذين يرفعون الشعارات الدينية، ويتحدثون عن الإسلام والشريعة، بينما يُترك اليتيم والفقير والمشرّد بلا سند، ولا يجد أهل الضحايا من ينصفهم ويقتصّ لهم؟!
أليس العدل، وحفظ النفس، ورعاية اليتيم، وردّ المظالم، من صميم ما يأمر به الدين الذي يرفعون شعاراته؟!
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
🤔 أما آن للشعب السوداني أن يراجع مواقفه، وألا يسمح للدعاية السياسية بأن تحجب عنه حقيقة ما جرى ويجري في وطنه؟!
إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول الضحايا إلى مجرد أرقام، وأن تُنسى الجرائم، وأن يُمجَّد المسؤولون عن الكوارث لمجرد أنهم ظهروا أمام الكاميرات، أو ألقوا خطبةً عن الوطن والكرامة، أو استقبلوا مجموعةً من الشباب في مكاتبهم.
ليس المطلوب أن يعادي الشعب كل مسؤول، أو أن يرفض كل مبادرة، وإنما أن يحكم على المسؤولين بأفعالهم ونتائج سياساتهم، وأن يطالبهم بالشفافية والمحاسبة، وألا يمنحهم صكوك البراءة قبل كشف الحقيقة.
ليس كل من يقاتل الدعم السريع يقاتل من أجل السودان، وليس كل من يقاتل في صف الجيش يقاتل من أجل الشعب.
ولا يجوز أن تكون الحرب ذريعةً لإعفاء أي طرف من مسؤوليته عن الانتهاكات، أو أن تتحول الشعارات الوطنية والدينية إلى ستارٍ يحجب حقوق الضحايا.
🛑 الطيب الهادي أحمد حامد… طفلٌ رحل، وديونٌ تركها، وإخوةٌ صغارٌ خلّفهم وراءه.
فهل يكفي كل هذا الدم والخراب والوجع لكي يدرك الشعب السوداني أن مستقبله لا يُبنى بتمجيد الحكام، ولا بتقديس العسكر، ولا بتبرير أخطاء الأحزاب والحركات المسلحة، وإنما بدولةٍ تحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم، وتوفر لهم أسباب الحياة الكريمة؟!
إلى متى ستستمر مداهنة قادة العسكر الانقلابيين وشركائهم من جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، ومن القوى السياسية والحركات المسلحة التي تشارك في السلطة أو الحرب، أو تبرّر الانتهاكات، دون أن تُسأل عن مواقفها ومسؤولياتها؟!
🫵الطيب.. ليس الضحية الوحيدة، ولن تكون مأساته هي الأخيرة ما لم تتغير هذه المعادلة.
🤲رحم الله ولدنا الطيب، وغفر له، وتقبّله في الصالحين، وجبر كسر إخوته وأخواته، وحفظهم من الضياع، ورزقهم من حيث لا يحتسبون.
والرحمة والمغفرة لكل شهداء السودان، والشفاء للجرحى، والعودة الآمنة للنازحين واللاجئين، والعدل لكل مظلوم.
حقوق الضحايا، لا تسقط بالنسيان، ولا بالشعارات، ولا بتبديل التحالفات، ولا بمصالحةٍ تتجاوز الحقيقة والمحاسبة.



