
✍️ محمد الفاتح حضرة
أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه ونحن نقرأ المشهد السوداني منذ 2019، هو أن ننظر إلى كل ما حدث باعتباره صراعاً بين الجيش والدعم السريع، أو بين البرهان وحميدتي، وكأن هؤلاء هم أصحاب القرار الحقيقيون في كل محطة.
🧐 السؤال الأهم ليس: من نفَّذ؟
بل:
من الذي قرر؟
ومن الذي حرّك البيادق؟ ولمصلحة من؟
فالسودان، في تقديري، لم يشهد منذ سقوط البشير سلسلة أحداث منفصلة.
بل شهد مراحل متتابعة من صراع سياسي داخل منظومة الإنقاذ نفسها؛ منظومة جمعت بين جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، مع وجود تيارات وفصائل ومراكز نفوذ متعددة داخلها.
وكانت العلاقة بين المكونات المدنية والعسكرية داخل هذه المنظومة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه من الخارج.
فالعسكريون المنتمون إلى الحركة الإسلامية كانوا يرون أنفسهم، في أحيان كثيرة، أكثر أحقية بالقرار من المدنيين.
ومن هنا بدأت الحكاية‼️
🟢 أولاً: انقلاب 2019 الصوري والكاذب
عندما اشتدت الثورة الشعبية ضد نظام البشير، اتخذت مجموعة من العسكريين المنتمين إلى المنظومة الإسلامية قراراً بالانقلاب على البشير.
وأعلنوا انحياز الجيش إلى الثورة.
وكان ذلك، في تقديري، انقلاباً صورياً وكاذباً؛ هدفه امتصاص الثورة وإعادة ترتيب المشهد، وليس تسليم السلطة للشعب.
واللافت أن هذا القرار العسكري هزَّ جماعة الحركة الإسلامية نفسها.
وتحدثت تسريبات وروايات عن تحقيقات مع الفريق ابن عوف وغيره من العسكريين الذين أعلنوا الانحياز للثورة، وهو ما أُشير إليه أيضاً في حديث سابق لثريا حمد.
وهنا ظهرت مشكلة مهمة:
هل كان العسكريون قد اتخذوا القرار من تلقاء أنفسهم؟ أم أنهم تجاوزوا القيادة السياسية للحركة الإسلامية؟
والأرجح عندي أن الخلاف كان أعمق من مجرد خلاف بين أشخاص.
فالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني لم يكونا كتلة واحدة متجانسة، وإنما كان داخلهما عدد من التيارات والمراكز المتنافسة.
لكن بعد تلك المرحلة عاد القرار تدريجياً إلى مراكز القيادة العليا.
ومن هنا بدأت مرحلة أخرى.
🟢 ثانياً: انقلاب فض اعتصام القيادة العامة
إذا كان انقلاب 2019 قد حاول امتصاص الثورة وخداعها، فإن فض اعتصام القيادة العامة كان أول محاولة جادة لكسر الثورة بالقوة.
فض اعتصام القيادة العامة كان نقطة تحول خطيرة.
فبعد أن فشلت محاولة احتواء الثورة، جاء الدور على محاولة كسرها وإرهاب شبابها وقياداتها، وإجبارهم على الانسحاب من المشهد الثوري.
وكان الهدف، في قراءتي، واضحاً:
إجهاض الثورة من داخل ساحة اعتصامها.
وهكذا انتقل الأمر من محاولة احتواء الثورة إلى محاولة سحقها.
🟢 ثالثاً: انقلاب 25 أكتوبر 2021
ثم جاءت مرحلة إضعاف القوى المدنية وشق صفوفها.
وهنا أيضاً لا بد من تصحيح صورة شائعة.
جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية وشركاؤها لم يكونوا صامتين تجاه انقلاب 25 أكتوبر.
بل كانوا جزءاً من المشهد الذي مهّد له.
وكان اعتصام القصر الجمهوري أحد مظاهر ذلك التحرك السياسي الذي شاركت فيه قوى عسكرية ومدنية مرتبطة بالمنظومة القديمة، إلى جانب قادة من الدعم السريع وحركات مسلحة، بهدف الضغط على حكومة حمدوك وإسقاطها.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر.
وهذه المرة لم يكن القرار، في تقديري، قرار مجموعة عسكرية منفردة كما حدث في 2019.
بل كان قراراً سياسياً من قيادة الحركة الإسلامية والتيارات المتحالفة معها، واستخدمت فيه عناصرها داخل الجيش والدعم السريع والأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية كأدوات لتنفيذ القرار.
وهنا تظهر الحقيقة التي يجب ألا تغيب عنا:
القيادة السياسية تحرك البيادق، والبيادق هي التي تدفع الثمن.
🟢 رابعاً: انقلاب 15 أبريل 2023
بعد انقلاب 25 أكتوبر، كانت الخطة في تقديري واضحة:
تشكيل حكومة انتقالية قصيرة الأجل، ثم الذهاب إلى انتخابات يتم التحكم في شروطها ونتائجها السياسية، بحيث تعود المنظومة القديمة إلى السلطة ولكن بوجه جديد.
لكن الأمور لم تسر كما أراد أصحاب الخطة.
فقد ظهرت صراعات داخلية بين مراكز القوى نفسها.
وطالبت مجموعات من أبناء غرب السودان بنصيب أكبر من السلطة.
وفي هذا السياق برز استخدام حميدتي للضغط على أجنحة أخرى داخل المنظومة.
ومن هنا بدأت، في تقديري، قصة تمرد حميدتي على بعض من كانوا بالأمس رعاته وحلفاءه.
ثم وصلنا إلى 15 أبريل 2023.
وهنا أختلف تماماً مع الرواية التي تختصر الحرب في أنها مجرد خلاف شخصي بين البرهان وحميدتي.
🛑 قرار الحرب لم يكن قرار قيادة الجيش ، ولم يكن قرار قيادة الدعم السريع‼️
في تقديري، كان هناك قرار سياسي من داخل أحد مراكز القوة في منظومة جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، باستخدام الجيش والدعم السريع كبيادق في معركة سياسية أكبر.
وكان من أهم أهداف ذلك القرار:
وأد الاتفاق الإطاري.
فالبرهان وحميدتي كانا قد وقعا الاتفاق الإطاري الذي كان يمكن أن يقود إلى استئناف الانتقال المدني.
فكان لابد من إيقافه.
وهكذا اندلعت الحرب.
وبدلاً من أن تكون الحرب وسيلة لحسم الصراع بين الجيش والدعم السريع، أصبحت أداة لإحراق الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي.
🛑 ولم تتوقف محاولات صناعة الشرعية للبرهان
بعد أن طال أمد الحرب، ولم تتحقق الأهداف التي كان يمكن تحقيقها سريعاً، ظهرت محاولة أخرى.
حوار وطني واسع بين القوى المدنية والسياسية السودانية جميعاً.
والفكرة، كما بدت لي، كانت أن تلتقي هذه القوى، وتخرج بتوصيات لتشكيل حكومة انتقالية، مع بقاء البرهان رئيساً للجمهورية، أو راعياً للمرحلة الانتقالية.
أي الانتقال من شرعية الأمر الواقع إلى شرعية سياسية تُصنع عبر الحوار.
لكن هذه المحاولة ماتت.
لأن الدكتور عبدالله حمدوك، وخالد عمر يوسف، وبابكر فيصل، ورفاقهم في صمود، رفضوا المشاركة في هذا المسار.
وكان رفضهم مهماً جداً.
لأن مشاركتهم كانت ستمنح الحوار الغطاء السياسي الذي يحتاجه البرهان.
وبغيابهم، سقطت محاولة إعطاء البرهان شرعية سياسية جديدة.
🧐 ولكن ماذا يفعل صاحب الخطة عندما تفشل محاولة الحوار؟!
يبحث عن طريق آخر.
وهنا نصل إلى مشهد الأمس.
🛑 هجوم البرهان على حمدوك ليس تفصيلاً عابراً ‼️
في المجمع الإعلامي الصحفي الذي عقده البرهان بالأمس، لم يكتفِ بمهاجمة القوى المدنية وصمود.
بل وجَّه اتهاماً خطيراً إلى الدكتور عبدالله حمدوك، عندما تحدث عن أنه كان ينسق مع الجيش.
🧐 لماذا حمدوك تحديداً؟!
ولماذا الآن؟!
ولماذا بعد فشل محاولة الحوار الوطني التي رفض حمدوك وقيادات صمود المشاركة فيها؟!
قد يكون الأمر مجرد اتهام سياسي.
ولكن إذا وضعناه داخل سياق الأحداث السابقة، فإنني أراه يستحق التوقف عنده طويلاً.
لأن الهدف المحتمل ليس فقط تشويه صورة حمدوك أمام الرأي العام.
بل ضرب الثقة بين حمدوك ورفاقه في صمود من جهة، وبين حاضنتهم الثورية والسياسية من جهة أخرى.
أي زرع الشك.
ثم الفتنة.
ثم الانقسام.
ثم إضعاف صمود.
🛑 فإذا انقسمت صمود، يصبح استدعاؤها إلى حوار جديد أسهل.
وإذا دخلت بعض مكوناتها في الحوار، يمكن إعادة إنتاج المحاولة القديمة بصورة جديدة:
حوار وطني…
توصيات…
حكومة انتقالية…
ثم منح البرهان دوراً رئيسياً في إدارة المرحلة.
وربما رئيساً للجمهورية.
وربما راعياً للمرحلة الانتقالية.
فنعود مرة أخرى إلى ما يشبه اتفاق 2019 والوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي مع قوى الحرية والتغيير‼️
ولكن هذه المرة بعد حرب مدمرة، وبعد إنهاك الشعب السوداني، وبعد إضعاف القوى المدنية والثورية.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المشهد.
🛑 وهنا يظهر ما أسميه: «الإنقلاب الخامس»‼️
إنقلاب 2026، إذا صحت هذه القراءة، قد لا يبدأ بالدبابات.
وقد لا يبدأ ببيان عسكري.
وقد لا يكون انقلاباً تقليدياً بالمعنى المعروف.
قد يبدأ أولاً بـ إعادة تشكيل الوعي السياسي.
بتشويه الثورة.
وبإعادة كتابة تاريخ السنوات الماضية.
وبتحميل القوى المدنية مسؤولية الحرب.
وبالهجوم على الدكتور عبدالله حمدوك.
وبالهجوم على خالد سلك وبابكر فيصل ورفاقهم.
وبمحاولة ضرب الثقة داخل تحالف صمود.
وبخلق الشكوك والفتن والانقسامات بين مكوناته.
ثم تقديم البرهان باعتباره الرجل الذي لا بديل عنه.
ثم القول:
لا بد من حكومة جديدة.
لا بد من توافق وطني.
لا بد من تجاوز القوى التي ترفض الحوار.
ولا بد من بقاء البرهان لقيادة المرحلة.
وهكذا يتم الوصول إلى النتيجة نفسها، ولكن هذه المرة من طريق مختلف.
🧐 لماذا صمود تحديداً؟!
لأن صمود، بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك وخالد سلك وبابكر فيصل ورفاقهم، تمثل في تقديري إحدى العقبات السياسية أمام إعادة إنتاج حكم عسكري بغطاء مدني.
فإذا استطاعوا إدخال الشكوك بينهم…
وإذا نجحوا في تفكيك الثقة بين قياداتهم…
وإذا نجحوا في تصوير بعضهم باعتبارهم خونة أو عملاء أو باحثين عن السلطة…
فإن ضرب صمود يصبح أسهل من مواجهتها ككتلة سياسية متماسكة.
وهذا هو مكمن الخطر.
فالخطة لا تحتاج دائماً إلى إسقاط صمود من الخارج.
قد يكون المطلوب أن تسقط من الداخل.
🛑 ولذلك أقول لأصدقائي في صمود:
انتبهوا ‼️
لا تسمحوا لأحد أن يحول الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية.
ولا تسمحوا لأحد أن يزرع بينكم الشك والريبة.
ولا تجعلوا اختلاف وجهات النظر سبباً لتفكيك التحالف الذي جمعكم حول هدف أكبر:
السلام، والحكم المدني، والتحول الديمقراطي، ودولة القانون.
فالمعركة الحقيقية ليست بين عبدالله حمدوك وخالد سلك وبابكر فيصل.
وليست بين هذا الحزب وذاك.
وليست بين هذا الشخص وذاك.
المعركة الحقيقية هي:
هل يعود السودان إلى طريق الثورة والتحول المدني الديمقراطي؟
أم تعود منظومة الإنقاذ إلى الحكم، ولكن بأسماء ووجوه جديدة؟!
🛑 والسؤال الذي يجب أن يظل حاضراً:
منذ 2019 وحتى اليوم…
من الذي كان يتخذ القرار؟!
ومن الذي كان ينفذ؟!
ومن الذي كان يدفع الثمن؟!
الجيش دفع الثمن.
الدعم السريع دفع الثمن.
الشعب السوداني دفع الثمن.
وشباب الثورة دفعوا الثمن.
والسودان كله يدفع الثمن.
أما أصحاب المشروع السياسي الحقيقيون، فقد ظلوا يحاولون إعادة ترتيب المشهد كلما فشلت خطة.
2019 محاولة احتواء الثورة.
ثم فض اعتصام القيادة العامة.
ثم انقلاب 25 أكتوبر.
ثم حرب 15 أبريل.
ثم محاولة صناعة شرعية سياسية جديدة للبرهان عبر الحوار.
والآن…
محاولة جديدة لضرب القوى المدنية من الداخل، وعلى رأسها صمود.
وهنا يجب أن نفهم معنى «الإنقلاب الخامس».
🛑 إنه ليس بالضرورة انقلاباً على حكومة قائمة.
قد يكون انقلاباً على مستقبل السودان كله.
انقلاباً على الثورة.
انقلاباً على فكرة الدولة المدنية.
انقلاباً على حق السودانيين في اختيار حكومتهم.
وانقلاباً على حلم التحول الديمقراطي.
ولهذا فإنني لا أرى أن البرهان وحده هو المشكلة.
البرهان جزء من المشكلة.
والمشكلة الأكبر هي المنظومة التي تريد استخدام البرهان، والجيش، والدعم السريع، والحركات المسلحة، والقوى السياسية، والإعلام، وكل ما يمكن استخدامه من أجل إعادة إنتاج السلطة القديمة في ثوب جديد.
🧐 ولذلك علينا أن نتوقف عن سؤال:
هل البرهان سيقوم بانقلاب خامس؟!
ونسأل السؤال الأهم:
من الذي يريد انقلاباً خامساً؟
ومن الذي يحرك البيادق؟
ومن المستفيد إذا فشل السلام؟
ومن المستفيد إذا انقسمت صمود؟
ومن المستفيد إذا عاد السودان إلى حكم الرجل الواحد والمؤسسة العسكرية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
فإذا عرفنا من يملك القرار…
فسنعرف من يحرك البرهان.
ومن يحرك الجيش.
ومن يحرك الدعم السريع.
ومن يحرك الحرب.
ومن يحاول الآن تحريك السودان نحو الإنقلاب الخامس‼️



