حُرمان الطلاب والطالبات من حقهم في مواصلة التعليم جريمة حرب وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني

الباشا طبيق
يكتب ✍️/
إن قرار سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بإغلاق مراكز الجامعات السودانية بالخارج، وإلزام الطلاب والطالبات بالعودة إلى السودان في ظل استمرار الحرب، يمثل انتهاكًا خطيرًا لحق أصيل من حقوق الإنسان، ويضع آلاف الطلاب والطالبات أمام مخاطر حقيقية تهدد أمنهم وسلامتهم ومستقبلهم الأكاديمي.
وتزداد خطورة هذا القرار في ظل ما يُعرف بـ«قانون الوجوه الغريبة»، وما ترتب عليه من توقيف واحتجاز آلاف السودانيين، الأمر الذي يجعل إجبار الطلاب والطالبات على العودة إلى مناطق الحرب والخضوع للسلطات الأمنية ذاتها خطوة بالغة الخطورة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء إداري أو أكاديمي.
فالتعليم ليس منحة تمنحها سلطات الأمر الواقع متى شاءت، ولا امتيازًا يجوز لها سلبه كأداة للعقاب السياسي؛ بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان تكفله المواثيق والاتفاقيات الدولية.
إن حرمان آلاف الطلاب والطالبات من مواصلة دراستهم، بعد أن قطعوا سنوات طويلة من التحصيل الأكاديمي، وإجبارهم على العودة إلى بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار، يمثل صورة من صور العقاب الجماعي، ويضع مستقبل جيل كامل في مهب الحرب والصراع السياسي.
والأشد قسوة أن القرار لا يميز بين طالب في بداية مشواره الجامعي وآخر يقف على أبواب التخرج. فهناك طلاب وطالبات في المراحل النهائية من دراستهم، وبعضهم لم يتبقَّ أمامه سوى أشهر قليلة للتخرج، ليأتي قرار الإغلاق ليهدد بضياع سنوات من أعمارهم وجهدهم وجهد أسرهم، ويحرمهم من الوصول إلى اللحظة التي انتظرتها أسرهم بفارغ الصبر: لحظة حصاد سنوات الدراسة والنجاح.
إن هؤلاء الطلاب ليسوا طرفًا في الحرب، وليس من العدل أو الإنسانية أن يدفعوا ثمن الصراع السياسي والعسكري. كما لا يجوز استخدام مستقبلهم الأكاديمي ورقة للضغط أو الابتزاز أو العقاب.
ومن هذا المنطلق، فإن قضية هؤلاء الطلاب والطالبات يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها شأنًا أكاديميًا داخليًا فحسب، وإنما باعتبارها قضية حقوق إنسان تستوجب اهتمام المجتمع الدولي، والمنظمات الدولية المعنية بالتعليم وحقوق الإنسان، والعمل العاجل من أجل حماية حقهم في مواصلة تعليمهم، وعدم تعريضهم لمخاطر العودة القسرية إلى مناطق الحرب.
وفي المقابل، فإن حكومة السلام الانتقالية، إدراكًا منها لأهمية حماية حق الأجيال السودانية في التعليم وعدم السماح للحرب بتدمير مستقبلها، نظمت امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026، وتعمل حاليًا على فتح الجامعات وتوفير فرص التعليم العالي للطلاب والطالبات الذين أدوا امتحاناتهم هذا العام داخل السودان، إلى جانب العمل على توفير منح دراسية خارج البلاد لمن تستدعي ظروفهم ذلك.
غير أن التحدي الأكثر تعقيدًا يتمثل الآن في أوضاع الطلاب والطالبات الذين يواصلون دراستهم بالفعل في المراكز التي افتتحتها الجامعات السودانية خارج البلاد، والذين فوجئوا بصدور قرار إغلاق هذه المراكز.
هؤلاء الطلاب لا يطلبون امتيازًا، ولا يبحثون عن استثناء؛ إنهم يطالبون فقط بحقهم في إكمال ما بدأوه.
كيف يمكن أن يُطلب من طالب أمضى سنوات في الدراسة، وربما لم يتبقَّ أمامه سوى فصل دراسي أو عام واحد للتخرج، أن يعود فجأة إلى بلد يعيش حربًا مفتوحة، ثم يُحرم من المؤسسة التعليمية التي التحق بها ومن حقه في إكمال دراسته؟
إن القرار، بهذه الصورة، لا يهدد مستقبل الطلاب وحدهم، وإنما يهدم أحلام أسر كاملة أنفقت من مالها، وتحملت مشاق الغربة، وانتظرت سنوات طويلة لترى أبناءها وبناتها يحملون شهاداتهم الجامعية.
الحرب قد تدمر المدن، لكنها لا ينبغي أن تدمر مستقبل الأجيال.
ولهذا فإن قضية مراكز الجامعات السودانية بالخارج تحتاج إلى معالجة عاجلة ومسؤولة، تضع مصلحة الطلاب والطالبات فوق الحسابات السياسية والإدارية، وتضمن استمرارهم في الدراسة إلى حين إكمال برامجهم الأكاديمية، أو توفير بدائل حقيقية ومتكافئة تضمن عدم ضياع سنوات دراستهم.
إن السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يمكن أن يُبنى بجيل محروم من التعليم، ولا يمكن أن نتحدث عن السلام والتعافي وإعادة بناء الدولة بينما يُغلق في وجه آلاف الشباب والشابات الطريق إلى مستقبلهم.
حماية حق الطلاب والطالبات في التعليم ليست ترفًا سياسيًا، وإنما مسؤولية قانونية وإنسانية وأخلاقية، ومستقبل جيل كامل لا يجوز أن يكون رهينة للحرب أو للصراع السياسي.



