الأعمدة

مفاوضات ومفاضلات ( 2 )


إذا كان الحوار السوداني السوداني حوارا حقيقيا ، فلا ينبغي ان تكون هناك ملفات محرمة علي النقاش ، حتي تلك التي تثير الغضب والخلاف .
التطبيع مع إسرائيل.. قضية عقدية أم قرار تحكمه السياسة الشرعية ؟
وهذا يقودنا إلى قضية أوسع تتعلق بكيفية قراءة النصوص الشرعية في سياقاتها التاريخية والفقهية .
فقد دار خلاف كبير بين العلماء حول مفهوم آية السيف وعلاقتها بالآيات التي تتحدث عن العفو والصفح وعدم الإكراه في الدين . ولا يصح اختزال هذا الخلاف العلمي الطويل في مقولة واحدة أو تفسير واحد ، كما لا يصح إسقاط اجتهادات فقهية نشأت في ظروف تاريخية معينة بصورة آلية على الدولة الحديثة وعلاقاتها الدولية .
فالفقه الإسلامي نفسه عرف مساحات واسعة من الاجتهاد في قضايا الحرب والسلم والعهد والصلح والمعاهدات ، وتطورت هذه الاجتهادات بتطور الظروف السياسية والاجتماعية .
ومن هنا يأتي السؤال الأهم :
هل العلاقة مع إسرائيل قضية عقدية بالضرورة ، أم أنها في أصلها قضية سياسية شرعية ؟
إذا كانت عقدية خالصة ، فما هو الحكم الذي يجعل كل أشكال التعامل معها محرمة في جميع الظروف والأحوال ؟
وإذا كانت قضية سياسة شرعية ، فإن معيار الحكم يصبح أكثر تعقيداً : المصلحة والمفسدة ، القدرة ، السيادة ، الحقوق الوطنية ، الأمن القومي ، والمآلات .
الحاكم لا يتخذ قراراً في السياسة الخارجية بناءً على العاطفة وحدها ، وإنما يفترض أن يستند إلى معلومات دقيقة ، وتقدير للمخاطر ، وحساب للمكاسب والخسائر .
فإذا رأى ، بناءً على معلومات موثوقة ، أن التفاوض مع دولة ما يمكن أن يحقق للسودان مصلحة حقيقية ، أو يرفع ضرراً ، أو يفتح مجالاً لمعالجة أزمة ، فهل يصبح مجرد التفاوض محرماً لمجرد أن الطرف الآخر هو إسرائيل ؟
وفي المقابل ، إذا كان التطبيع سيؤدي إلى إضعاف السيادة السودانية ، أو التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني ، أو الإضرار بالأمن القومي ، أو منح الطرف الآخر مكاسب بلا مقابل ، فهل يمكن تسميته مصلحة وطنية ؟
إذن القضية ليست « مع إسرائيل أو ضد إسرائيل » بهذه البساطة .
القضية هي :
ماذا يريد السودان ؟
وماذا سيكسب ؟
وماذا سيخسر ؟
وما الضمانات ؟
ومن يملك القرار ؟
وهل التفاوض سيجلب مصلحة حقيقية أم سيكون مجرد تنازل مجاني ؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون على طاولة البحث .
أما تحويل المسألة إلى معركة بين « الإيمان والتطبيع » ، أو بين « الوطنية والخيانة » ، فهو إغلاق لباب التفكير قبل أن يبدأ .
السودان يحتاج إلى سياسة خارجية تقوم على المصلحة الوطنية ، والسيادة ، والوضوح ، وحماية الحقوق ، وعدم الارتهان للمحاور .
والتعامل مع إسرائيل ، إن طُرح ، يجب أن يخضع لهذه القواعد نفسها .
فلا قداسة في السياسة ، ولا حصانة لأي قرار من النقد، ولا يجوز أن تتحول القضايا الكبرى إلى شعارات تُستخدم لإسكات الأسئلة .
فهل يحتاج السودان اليوم إلى عدو دائم ، أم إلى سياسة واقعية تعرف متى تفاوض ، ومتى ترفض ، ومتى تقبل، ومتى تقول : لا ؟
ذلك هو جوهر المسألة .
ثم ماذا بعد ؟

زر الذهاب إلى الأعلى