الأعمدة

مفاوضات ومفاضلات ( 4

هل يبحث الحوار السوداني السوداني مستقبل علاقة السودان بإسرائيل ؟ وهل يمكن أن تصبح المصلحة الوطنية ، في ظروف معينة ، مدخلاً لإعادة النظر في مواقف ظلت ثابتة لسنوات ؟
الدكتور صلاح عوض ، عميد كلية أصول الدين سابقاً بجامعة أم درمان الإسلامية ، يطرح هذه الأسئلة من زاوية مختلفة ، مستنداً إلى مفهوم فقه الضرورة والمصلحة ، ومستشهداً بقوله تعالى :
﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .ك
وهنا تبدأ المنطقة الشائكة .
هل الضرورة مفهوم فردي فقط ، أم يمكن أن تدخل مصلحة الأمة والدولة في تقديرها ؟ وإذا كانت الدولة تواجه أزمة اقتصادية خانقة ، وبطالة ، وتعطلاً في الإنتاج ، وضعفاً في الموارد ، فهل يجوز أن تبقى خياراتها الخارجية أسيرة مواقف مسبقة ، دون أن تدرس المكاسب والخسائر ؟
لكن الوجه الآخر للسؤال لا يقل أهمية :
هل كل تفاوض مصلحة ؟ وهل كل تطبيع ضرورة ؟
بالطبع لا .
فالعلاقة مع إسرائيل ليست ملفاً عادياً يمكن فصله عن القضية الفلسطينية ، وعن التاريخ السياسي للسودان ، وعن حسابات الأمن القومي ، وعن موقف المجتمع السوداني . ولذلك فإن أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى دراسة دقيقة لمآلاتها ، ومكاسبها ، ومخاطرها ، لا إلى اندفاع سياسي أو عاطفي .
وفي المقابل ، لا ينبغي أن تتحول نظرية المؤامرة إلى مفتاح يفسر كل أزمات السودان .
قد توجد ضغوط خارجية ومصالح دولية وتدخلات إقليمية ، لكن السودان مطالب أيضاً بالنظر إلى داخله : اقتصاده ، ومؤسساته ، وإدارته ، وفساده ، وانقساماته السياسية ، وتعطيل إنتاجه .
فليس من الحكمة أن نضع كل إخفاقاتنا في سلة الخارج ، ثم نعفي أنفسنا من المسؤولية .
والسؤال الأكثر إلحاحاً : هل مجرد إقامة علاقة سياسية مع إسرائيل يعني تلقائياً انهيار الدين والقيم ؟
أم أن حماية المجتمع تبدأ من قوة الدولة ، والتعليم ، والوعي ، والاقتصاد ، والقانون ، وقدرة المواطن على التمييز بين ما ينفعه وما يضره ؟
وقبل أن ندخل في معركة التطبيع والرفض ، علينا أن نتذكر مأساة شباب السودان .
شباب لديهم الطاقات ، لكنهم يفتقدون الفرص . خريجون بلا وظائف ، ومبدعون بلا إمكانات ، وأجيال تبحث عن مستقبل خارج البلاد .
فهل نملك ترف إغلاق كل الأبواب قبل أن ندرسها ؟
المطلوب ليس أن يؤيد الحوار السوداني السوداني التطبيع ، ولا أن يرفضه مسبقاً .
المطلوب أن يناقشه .
أن يضعه على طاولة الحوار ، ويزن المصالح والمخاطر ، ويستمع إلى الرأي الشرعي والسياسي والاقتصادي والأمني ، ثم يكون القرار سودانياً ، مستقلاً ومدروساً .
فالقضية ليست : مع إسرائيل أم ضد إسرائيل ؟
القضية الأكبر :
مع مصلحة السودان أم ضدها ؟
وهنا تكمن قيمة الحوار السوداني السوداني : أن يفتح الملفات المسكوت عنها ، وأن يسمح بتعدد الآراء ، وأن يجعل المصلحة الوطنية فوق المزايدات والتخوين .
فالسودان لا يحتاج إلى أسئلة ممنوعة.. بقدر ما يحتاج إلى إجابات مسؤولة . ثم ماذا بعد ؟

زر الذهاب إلى الأعلى