
محمد كندشة
إن منتهى القبح في حرب أبريل أن يلوذ قادتها بأبنائهم إلى الملاذات الآمنة، ويؤمنوهم وراء البحار، ثم يزجوا بأبناء البسطاء والمستضعفين في أتونها المستعر ولهيبها المتلظي دون أن يطرف لهم جفن، فإن كانت كما يزعمون حرب كرامة عند هؤلاء، وحرب ديمقراطية عند أولئك، فأولى بلهبها ووقودها أن يكون من أصلاب قادتها وأبناء سدنتها ودعاة استدامتها، وإلا فما هو إلا انفصام فاضح، وازدواجية قبيحة وسقوط أخلاقي لا ستر له.
وحرِيٌّ بالفاعلين في هذه الحرب أن يتخذوا من تاريخ الإسلام مرجعية وميزاناً؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدّم ابن عمه وريحانته جعفر بن أبي طالب في مؤتة، فيمضي ثابتاً حتى تُقطع يداه ويرتقي شهيداً، وهذا علي ابن أبي طالب يدفع بولديه الحسن والحسين إلى غمار الموت في الجمل وصفين، وهذا أبو بكر وعمر وخالد رضوان الله عليهم يقدمون أبناءهم في مقدم العسكر وطليعة الفتوح، يطلبون لهم المجد بالشهادة، لا الإقامة الذهبية في القصور المشيدة بمنأى عن قعقعة السيوف.
أما في زماننا اللئيم، فأبناء قادة الجيش يرفلون في نعيم القاهرة وإسطنبول وعواصم الخليج، وأبناء قادة الدعم السريع وادعون آمنون في كمبالا ونيروبي وكيغالي، ولا يُلقى في أتون هذه النار الملتهبة حد السعير إلا ابن المواطن المغلوب على أمره، وحده هو الحطب والوقود.
فأما قونات الحرب وقوادات الجحيم لهم من الله ما يستحقون، فأبناؤهم في خدر ودعة ونعيم مقيم، يرتقون مراقي العلم، ويتقلبون في مدارج الترف، ويتمرغون في زخرف الدنيا، بينما أبناء عامة الشعب إما تحت الثرى، أو على أسرة المشافي يئنون، أو مرابطون في الخنادق والثغور يذودون.
وقد جال بخاطري مشهد المطربة ندى القلعة، تطوف على الجرحى في المشافي بلسان كذوب ونفاق مكشوف، تهتف “يا بطل”، ثم ما تلبث بعد أيام أن تهتز وترز على خشبات المسارح، وتقدّم ولدها بطلاً لأعمالها الجديدة، تفتح له أبواب الصعود وتفرش له طريق الحياة الرغدة. ولو كانت صادقة في إيمانها بحرب الكرامة، لقدمت ابنها قرباناً لها ومهراً لادعائها، فإن الجنة لا يُتقرب إليها إلا ببذل أعز ما يملك المرء: الولد والروح والدم.
وبقول أهلنا الفصيح في دارجتهم: أولاد الناس ما لاقينهم في كَرْتَلَة.



