الأعمدة

فاطمة أحمد إبراهيم بدإت نضالها وهي طالبة تقود إضراباً من أجل حق الفتيات في التعليم العلمي

شاركت في تأسيس الاتحاد النسائي وخاضت معركة المساواة في الأجر والعمل والتعليم

حاتم السنهوري .
يسعدنا مواصلة التوثيق لرواد الحركة النقابية وتاريخها الناصع في نشر حركة الوعي المطلبي من واقع النظر إلي حياة أكثر عدلا ومساواة واليوم وفي هذه المساحة الهامة نستعرض سيرة إحدي رائدات حركة النهضة النسائية ورموزها الباسقة نضالا جسورا لحقوق النساء الحياتية والنقابية وهي بكل فخر وإعزاز المناضلة العظيمة
فاطمة أحمد إبراهيم من مواليد العام 1933 في مدينة امدرمان حي العباسية حيث نشأت في أسرة متعلمة ومهتمة بالتعليم والثقافة وهو ما كان له أثر كبير في تكوين شخصيتها منذ وقت مبكر وقد عاشت طفولتها وشبابها في مرحلة الاستعمار البريطاني حين كانت فرص التعليم أمام الفتيات السودانيات محدودة للغاية واصلت تعليمها الأولي إلي أن وصلت مدرسة أم درمان الثانوية العليا حيث بدأت ملامح شخصيتها النضالية تتشكل بوضوح وجسارة فقد أنشأت صحيفة حائطية باسم «الرائدة» اهتمت بقضايا المرأة كما قادت وهي طالبة أول إضراب نسائي معروف في مدارس السودان احتجاجاً على استبدال تدريس المواد العلمية للفتيات بمواد مرتبطة بالتدبير المنزلي والخياطة وقد نجح الإضراب في إجبار إدارة المدرسة على التراجع عن قرارها وفق قوة وإستمرار الإضراب
كانت تلك التجربة المبكرة مهمة في حياتها لأنها أكدت أن قضية تعليم المرأة ليست قضية مدرسية فحسب وإنما جزء من معركة أوسع تتعلق بمكانة المرأة وحقوقها في المجتمع بشكل منصف وعادل مع الرجال علي الأساس الحقوق والواجبات .
فاطمة أحمد إبراهيم وتأسيس الحركة النسائية المنظمة :
في عام 1952 شاركت فاطمة أحمد إبراهيم مع عدد من الرائدات في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني الذي أصبح لاحقاً أحد أهم التنظيمات النسائية الجماهيرية في تاريخ السودان وحرصت الحركة على أن تكون عضوية الاتحاد مفتوحة للنساء من مختلف الفئات وأن تمتد فروعه إلى مختلف مناطق السودان وهو ما ساعد في تحويل قضية المرأة من نشاط نخبة محدودة إلى حركة جماهيرية منظمة راسخة وقوية وممتدة في البلاد ومن خلال رئاستها للاتحاد خلال الفترة ما بين 1956–1957 أكدت فاطمة أهمية استقلال التنظيم النسائي عن الهيمنة الحزبية أو الحكومية وسعت إلى توسيع قاعدته الاجتماعية ليضم النساء على اختلاف توجهاتهن وانتماءاتهن.
نضالت النقابية الجسورة فاطمة أحمد إبراهيم لمطالب المرأة بين الحقوق الاجتماعية والسياسية حيث لم يكن نضالها منفصلاً عن برنامج الحركة النسائية السودانية الذي جمع بين المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية
ومن أبرز تلك المطالب التي تبناها الاتحاد النسائي :
– حق المرأة في التصويت والترشح للمؤسسات التشريعية.
– حقها في التمثيل في المؤسسات السياسية والإدارية على قدم المساواة مع الرجل.
– المساواة في الأجر عن العمل المتساوي.
– المساواة في فرص التدريب والتأهيل والترقي.
– توفير التعليم المجاني ومكافحة الأمية بين النساء.
– فتح مجالات العمل أمام المرأة وتحويلها إلى قوة منتجة ومستقلة اقتصادياً.
– مكافحة الزواج المبكر والقسري.
– المطالبة بإلغاء القوانين والممارسات التي تنتقص من استقلال المرأة وحقوقها.
وبذلك تجاوزت الحركة النسائية السودانية المطالبة بمجرد تحسين أوضاع المرأة الاجتماعية إلى المطالبة بحقوق المواطنة الكاملة والمساواة في المجال العام.
مضت في إعلاء صوت المرأة الصحافة في خدمة النضال :
أدركت فاطمة مبكراً أهمية الصحافة في نشر الوعي وفي العام 1955 تولت رئاسة تحرير مجلة «صوت المرأة»، الصادرة عن الاتحاد النسائي وجعلت منها منبراً لقضايا النساء والدفاع عن حقوقهن بقوة وثبات كما لعبت المجلة دوراً في مقاومة الحكم العسكري الأول في السودان بقيادة الجنرال إبراهيم عبود
وكانت الصحافة بالنسبة لفاطمة وسيلة لتغيير الوعي الاجتماعي ومواجهة الأفكار الرجعية التي تحصر المرأة في نطاق المنزل وتحرمها من المشاركة في الحياة العامة كحق أساسي مكفول للنساء.
دور النساء في النضال السياسي والنقابي :
ارتبط نضال فاطمة أحمد إبراهيم بالحركة الوطنية والديمقراطية والحركة العمالية والنقابية فقد كانت ترى أن تحرير المرأة لا يمكن فصله عن تحرير المجتمع من الاستبداد والاستعمار والتمييز الاجتماعي
وفي هذا السياق تداخل نشاط الحركة النسائية مع نضالات العمال والنقابات والقوى الديمقراطية خصوصاً في مواجهة الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود وقد شاركت الحركة النسائية في النضال ضد النظام العسكري، ثم كان للنساء حضور بارز في ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بحكم عبود .
ومن هنا أصبحت قضية المرأة جزءاً من قضية أوسع تتعلق بالديمقراطية والحقوق السياسية والاجتماعية وحقوق العاملين
من الحركة النسائية إلى البرلمان :
بعد ثورة أكتوبر العظيمة 1964 فُتح المجال أمام المرأة السودانية لممارسة حقوقها السياسية بصورة أوسع بما في ذلك التصويت والترشح وفي انتخابات 1965 فازت فاطمة أحمد إبراهيم بعضوية البرلمان لتصبح أول امرأة سودانية تنتخب عضواً في البرلمان وفي الدول الغربية والإفريقية
وكان وجودها في البرلمان امتداداً طبيعياً لنضالها خارج المؤسسة التشريعية فقد حملت إلى داخل البرلمان قضايا المرأة والعمل والتعليم والمساواة وحاولت تحويل المطالب التي ناضلت من أجلها الحركة النسائية إلى حقوق وقوانين وسياسات عامة تنتهجها الدولة
وهكذا لم تكن عضويتها البرلمانية مجرد إنجاز شخصي وإنما كانت ثمرة سنوات من العمل المنظم للنساء السودانيات من أجل الاعتراف بهن كمواطنات كاملات الحقوق والواجبات .
علاقة فاطمة بالحركة العمالية والنقابية السودانية :
برز ارتباط خاص بين تجربة فاطمة أحمد إبراهيم والحركة النقابية السودانية من خلال زواجها من القيادي النقابي الشفيع أحمد الشيخ أحد أبرز قادة الحركة العمالية السودانية وقد كان الشفيع من القيادات النقابية البارزة التي دافعت عن حقوق العمال الأمر الذي جعل بيت فاطمة والشفيع جزءاً من البيئة السياسية والنقابية التي شهدت صراعاً واسعاً من أجل الديمقراطية وحقوق العمال لكن أهمية فاطمة النقابية لا تختصر في علاقتها بزوجها أو بالحركة العمالية فقط وإنما تكمن أساساً في إسهامها في تنظيم النساء العاملات وربط مطالب المرأة بقضايا العمل والمساواة الاقتصادية فالمطالبة بالمساواة في الأجر وفرص التدريب والترقي وحق المرأة في العمل كانت في جوهرها مطالب ذات مضمون عمالي ونقابي واضح وملهم لحركة النساء الواعية والمطلبية
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربتها باعتبارها جسراً بين الحركة النسائية والحركة العمالية إذ أدخلت قضية المرأة العاملة إلى صلب النقاش حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
مواجهة فاطمة الحكم العسكري والدفاع عن الديمقراطية :
لم يتوقف نضال فاطمة عند مرحلة الاستعمار أو الحكم المدني بل واصلت نشاطها في مواجهة الأنظمة العسكرية. وبعد انقلاب مايو 1969 تعرضت الحركة السياسية والنقابية والنسائية لضغوط شديدة خصوصاً بعد الصدام بين نظام جعفر نميري والحزب الشيوعي السوداني في عام 1971.
وبعد إعدام زوجها الشفيع أحمد الشيخ عقب أحداث يوليو 1971 تعرضت فاطمة للاعتقال والإقامة الجبرية لسنوات طويلة واستمرت السلطات في التضييق عليها بشكل مستمر ومتواصل ورغم عن ذلك لم تتخلَّ عن قناعتها بضرورة استمرار النضال من أجل حقوق المرأة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية
النضال في المنفى والعودة :
في عام 1990 غادرت فاطمة السودان إلى المنفى في بريطانيا لكنها لم تتوقف عن نشاطها وواصلت من الخارج الدفاع عن حقوق المرأة السودانية وتولت رئاسة الاتحاد النسائي السوداني في المنفى كما ارتبط اسمها بنشاط نسائي وحقوقي دولي وتشير المصادر إلى أنها ترأست الاتحاد النسائي العالمي خلال الفترة 1991–1994 وحصلت على تكريمات دولية تقديراً لنشاطها في مجال حقوق الإنسان والمرأة.
وعادت إلى السودان في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين
واستمرت في نشاطها العام وظلت حتى سنواتها الأخيرة شخصية حاضرة في النقاش حول مستقبل المرأة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إرث المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم :
توفيت فاطمة أحمد إبراهيم في 12 أغسطس 2017 في بريطانيا لكنها تركت وراءها إرثاً يتجاوز حدود تجربتها الشخصية. فقد كانت من الجيل الذي أسس للحركة النسائية السودانية الحديثة وربط بين قضية المرأة وقضايا الديمقراطية والاستقلال والعمل والعدالة الاجتماعية.
وتكمن أهمية تجربتها في أنها لم تتعامل مع حقوق المرأة باعتبارها قضية منفصلة عن المجتمع، بل ربطتها بحقوق العاملين والفقراء وحق المواطنين في المشاركة السياسية ورأت أن المرأة لا تستطيع أن تتحرر بصورة كاملة في مجتمع تحكمه الدكتاتورية والتمييز والاستبداد والقمع
لقد بدأت فاطمة أحمد إبراهيم نضالها وهي طالبة تقود إضراباً من أجل حق الفتيات في التعليم العلمي ثم شاركت في تأسيس الاتحاد النسائي وخاضت معركة المساواة في الأجر والعمل والتعليم ودافعت عن حق المرأة في التصويت والترشح وأصبحت أول امرأة سودانية تدخل البرلمان بالانتخاب عن الحزب الشيوعي ومن المدرسة إلى الاتحاد النسائي ومن الصحافة إلى البرلمان ومن النضال النقابي والسياسي إلى المنفى حيث ظلت حياتها شاهدة على جيل من السودانيات اللاتي رفضن أن تكون المرأة مجرد متلقية للقرارات وأصرن على أن تكون شريكة كاملة في صناعة القرار وفي بناء الدولة والمجتمع
ولهذا تظل فاطمة أحمد إبراهيم إسماً بارزاً في تاريخ الحركة النسائية والنقابية السودانية ورمزاً جسورا لنضال امتد لعقود من أجل المرأة العاملة والمساواة والتعليم والحقوق السياسية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وشهد تشيع جثمانها حدثا تاريخيا في السودان حيث كانت من أكبر وأعظم صور التشييع لعظماء السودان وهذا يدل علي تاريخ وعظمة المناضلة الجسورة فاطمة أحمد إبراهيم والتي خلد التاريخ إسمها من نور في صفحات الخلود البطولي لقضايا النساء والوعي الجسور بالمطالب ونيل الحقوق من منطلق الوعي الصبور والمثابر والجسور تقبلها الله بواسع رحمته اسم خالد في وجدان الشعب وتاريخ ناصع يلهم النساء والأجيال القادمة عبق هذا التاريخ المشرق .
لنا عودة .

زر الذهاب إلى الأعلى