
نشرت مجلة Foreign Policy، مقالاً بعنوان: “السلام في السودان لن يزدهر إلا بعد حظر شامل للسلاح”(Peace in Sudan Can Only Flower After a Weapons Embargo)، في الثالث من سبتمبر الجاري.
المقال منشور ضمن قسم “نقاش” Argument، وهو القسم المخصص لعرض وجهات نظر تحليلية يدافع أصحابها عن موقف سياسي محدد، وليس تقريراً إخبارياً محايداً. لذا فإن هذا التصنيف بحد ذاته يمنح المقال طابعاً مختلفاً، من حيث كونه موقف مُعلن، لا مجرد سرد للوقائع.
كتب المقال مايكل والتز وهو سياسي وعسكري أمريكي جمهوري، خدم سابقاً في القوات الخاصة الأمريكية (Green Berets)، ثم أصبح عضواً في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية فلوريدا من 2019 إلى يناير 2025.
وفي يناير 2025 اختاره الرئيس دونالد ترامب مستشاراً للأمن القومي، وهو منصب شديد الحساسية في منظومة صنع القرار الأمريكي.
وفي سبتمبر 2025 أصبح الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بدرجة سفير، وشاركه في كتابة المقال مسعد بولس ، المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية.
مما لاشك فيه أن اجتماع اسمين بهذا الوزن على توقيع واحد يحمل دلالة سياسية تستحق التوقف عندها. فالمقال صدر عن مسؤولَين أمريكيين مرتبطَين مباشرة بملف السودان في مجلس الأمن وبالسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا.
أضف إلى ذلك أن اختيارهما النشر في صحيفة Foreign Policy تحديداً، وهي منصة يقرأها صناع القرار والدبلوماسيون قبل أي جمهور آخر، يوحي بأن الهدف إضافة إلى كونه مخاطبة الرأي العام، فهو في المقام الأول إرسال إشارة سياسية إلى مجلس الأمن، وإلى الأطراف السودانية، وإلى كل دولة أو جهة متورطة في تغذية الحرب بالسلاح.
بعبارة أخرى، هذا المقال أقرب إلى إعلان نوايا سياسي منه إلى مقال رأي عابر، وهو ما يرفع من قيمة الفكرة التي يطرحها ويجعلها أساساً صالحاً للبناء عليه.
حظر السلاح
يذهب الكاتبان إلى أن الحظر المفروض على السودان منذ عام 2005 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591 لم يعد كافياً لمواكبة طبيعة الحرب الراهنة.
وكما هو معلوم فإن ذلك الحظر استهدف دارفور تحديداً في سياق مختلف تماماً عن سياق اليوم، بينما اتسعت رقعة القتال لتشمل عموم البلاد، وأصبحت الأسلحة والطائرات المسيّرة وشبكات التمويل تتحرك بحرية عبر الحدود والجبهات.
يقترح الكاتبان توسيع الحظر ليغطي كل الأراضي السودانية، وأن يُطبَّق على جميع الأطراف المسلحة دون استثناء، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وعلى كل جهة تزوّد أياً منهما بالسلاح أو المال أو المرتزقة أو الطائرات المسيّرة.
تدفق الأسلحة
هذه الفكرة تفتح الباب أمام سؤال أوسع، وهو ما تحاول هذه المقالة معالجته، إذا كانت المشكلة هي استمرار تدفق أدوات الحرب، فإن الجهة الأكثر استفادة من غياب حظر فعلي وشامل هي تحديداً السلطة العسكرية الحاكمة في الخرطوم، أي سلطة الانقلاب التي استولت على الحكم منذ عام 2021 وأدارت البلاد بمنطق الحرب بدلاً من منطق الانتقال السياسي.
أهمية هذا الطرح تنبع من كونه يكشف حقيقة بسيطة، ألا وهي أن كل مؤتمر سلام، وكل بيان هدنة، وكل مبادرة سياسية للسودان، ستظل عاجزة عن إنتاج نتيجة حقيقية طالما بقيت قنوات التسليح مفتوحة.
مما لاشك فيه أن سلطة الانقلاب في السودان استخدمت استمرار الحرب كغطاء سياسي متكرر، ففي كل مرة يُطرح فيها ملف العودة إلى حكم مدني، تُستحضر ذريعة “الخطر الأمني” و”ضرورة حسم المعركة أولاً” لتأجيل أي استحقاق سياسي.
هذا النمط ليس جديداً، لكنه يصبح أخطر حين يقترن بتوسّع مستمر في استخدام الطائرات المسيّرة، التي منحت الأطراف المتحاربة قدرة على ضرب أهداف بعيدة دون الحاجة إلى بنية عسكرية تقليدية مكلفة.
كذلك فإن ارتفاع عدد الضحايا المرتبطين بهجمات المسيّرات، وتحوّل الأسواق والمستشفيات والمدارس وطرق الإغاثة إلى أهداف متكررة هو مؤشر على أن كلفة استمرارها على المدنيين تتضاعف كل شهر تبقى فيه قنوات التسليح مفتوحة، ولا يمكن النظر إليه باعتباره تفصيلاً هامشياً، وهذا وحده كافٍ لتبرير التوجه نحو حظر لا يكتفي بالسلاح التقليدي، بل يطول منظومة المسيّرات بكاملها.
إن الحظر الذي يمكن أن يُحدث فرقاً فعلياً لا يقتصر على منع دخول السلاح والذخائر، وإنما يجب أن يمتد ليشمل: الطائرات المسيّرة القتالية والاستطلاعية، ومكونات تصنيعها وتجميعها محلياً.
كذلك أنظمة التوجيه والتحكم والاتصالات العسكرية التي تشغّل هذه الطائرات عن بُعد، وقطع الغيار والمعدات المكمّلة للأسلحة الثقيلة والخفيفة، والتمويل المباشر أو غير المباشر المخصص لشراء السلاح.
وبالتأكيد دون إغفال شبكات السماسرة والوسطاء الذين يسهّلون صفقات التوريد، وشركات النقل والشحن المتورطة في تهريب المعدات العسكرية، وتجنيد المرتزقة ونقلهم وتمويل وجودهم في مسارح القتال. وأخيراً الدول والشركات التي تقدّم دعماً عسكرياً مباشراً أو مقنّعاً لأي طرف.
حظر المسيرات
إن النقطة الجوهرية هنا أن حظر المسيّرة النهائية وحدها لن يحقق أثراً كبيراً إذا ظل ممكناً استيراد مكوناتها منفصلة ثم تجميعها داخل السودان. التعامل مع “منظومة المسيّرات” ككل، لا مع الطائرة كقطعة واحدة، هو ما يجعل الحظر قابلاً للتنفيذ فعلياً لا مجرد نص على الورق.
ولأن الحرب لم تعد محصورة جغرافياً، فإن أي حظر يرسم خطاً على الخريطة ويستثني مناطق بعينها سيظل قابلاً للالتفاف عليه؛ فالسلاح الذي يدخل من منفذ واحد لا يبقى بالضرورة في المنطقة التي دخل منها، وكذلك الحال مع التمويل والوقود وقطع الغيار.
الجدير بالذكر في هذا السياق أن استمرار سلطة الانقلاب في رفض مسارات التفاوض الجادة، وتعاملها مع كل مبادرة دولية باعتبارها تهديداً لبقائها في السلطة أكثر من كونها فرصة لإنهاء معاناة السودانيين، يجعل من الحظر الشامل أداة ضغط ضرورية لا خياراً سياسياً ثانوياً. فالسلطة التي وصلت إلى الحكم بانقلاب، وأدارت البلاد لاحقاً بمنطق الحرب، لا تملك حافزاً ذاتياً لإنهاء القتال ما دامت موارد الاستمرار فيه متاحة.
إن حظر السلاح الشامل، الذي يغطي كل السودان وكل أنواع السلاح بما فيها المسيّرات ومكوناتها وتمويلها وشبكات نقلها، ليس كافياً وحده لإنهاء الحرب؛ فللحرب جذور سياسية واجتماعية واقتصادية تتجاوز مسألة التسليح.
لكنه شرط أساسي لأي مسار سلام حقيقي، لأنه يقلّص قدرة جميع الأطراف على مواصلة القتال، ويخلق مساحة فعلية للتفاوض بدلاً من شعارات التفاوض.
والأهم أن هذا الحظر، إذا طُبّق بصورة متساوية وصارمة، لن يكون عقوبة موجهة ضد طرف بعينه، بل أداة تكشف من يريد فعلاً إنهاء الحرب ومن يستخدمها غطاءً لتمديد بقائه في السلطة.
وسلطة الانقلاب، التي راهنت على إطالة أمد المعركة بدلاً من تسليم الملف السياسي لمسار مدني، هي أول من ينبغي أن يُحاسَب حين يُطرح سؤال، من المستفيد من استمرار تدفق السلاح؟
فالسلام لا يمكن أن يزدهر بينما تبقى قنوات السلاح مفتوحة، ولا يمكن أن يتحقق أيضاً بينما تُدار البلاد بمنطق من يملك السلاح أكثر، يحكم أطول.



