
في أبريل 2026، نشرت صحيفة “فجر السودان” إعلاناً قضائياً صادراً عن محكمة البر الشرقي العامة في بورتسودان، يتعلق بدعوى طلاق للغياب. في القضية رقم 40/ق/2026، قالت المدعية إنها لا تعرف عنوان زوجها.
وحددت المحكمة جلسة للنظر في الدعوى، مع تنبيه الزوج إلى أنه إذا لم يحضر أو يعيّن من ينوب عنه فسيتم الفصل في القضية في غيابه. وفي إعلان قضائي آخر، أمام محكمة الأحوال الشخصية في بورتسودان شرق، ظهرت قضية مفقود، طلبت فيها المحكمة من أي شخص يعرف مكان إقامة رجل مفقود أن يتقدم إليها.
قد تبدو هذه الإجراءات قانونية في ظاهرها، لكنها في سياق الحرب تحمل معنى أكبر. فـ”الغياب” الذي يتعامل معه القانون عادة باعتباره حالة فردية، أصبح خلال الحرب تجربة تتكرر مع النزوح والانقطاع القسري للاتصال وتعدد مناطق السيطرة واختفاء الأشخاص. وهذا النوع من الحالات ليس خارج القانون السوداني. فقانون الأحوال الشخصية لسنة 1991 يتيح للزوجة طلب التطليق إذا غاب زوجها سنة فأكثر وتضررت من غيابه، كما ينظم حالات الزوج مجهول الجهة، ويجيز التطليق في حالات الفقد بعد مرور مدة محددة.
لكن الحرب جعلت هذه النصوص تعمل داخل واقع مختلف تماماً. فالقانون يفترض وجود محكمة تستطيع الوصول إلى الأطراف، وإعلانات يمكن إيصالها، وأقارب يمكن سؤالهم، ومناطق يمكن البحث فيها. أما في السودان الذي مزقته الحرب، فقد يكون الزوج في منطقة لا تستطيع الزوجة الوصول إليها، أو في منطقة لا تعمل فيها المحكمة أصلاً، أو مفقوداً لا تعرف الأسرة مصيره.
لم تقِف الحرب السودانية عند حد تقسيم البلاد إلى مناطق سيطرة بين طرفي الحرب، وتشريد الملايين، وتعطيل مؤسسات الدولة. فمع مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، بدأت آثارها تظهر في مكان أكثر خصوصية: داخل الأسرة.
المحكمة نفسها تعطلت
المشكلة لم تكن في الأسر وحدها. فالحرب أصابت أيضاً الجهاز الذي يفترض أن يحسم النزاعات الأسرية ويحمي الحقوق. المحامية سامية الهاشمي، رئيسة اللجنة الوزارية السابقة لوضع قانون جديد للأحوال الشخصية، قالت في إفادة سابقة لمجلة “أتر” إن الحرب أثرت في مختلف أركان الحياة الاجتماعية، وإن الأسر تشتتت داخل السودان وخارجه وفقدت مصادر دخلها.
وأشارت إلى تسجيل نحو 35 ألف حالة طلاق بعد الحرب، مع تركز الحالات في الخرطوم والجزيرة وولايات دارفور.
لكنها لفتت أيضاً إلى ضرر أصاب الجهاز القضائي نفسه، مع توقف محاكم لفترات طويلة بسبب الحرب. وهذه نقطة أساسية في فهم حجم الظاهرة.
فالأسرة التي تواجه الانهيار تحتاج إلى المحكمة للحصول على الطلاق أو النفقة أو إثبات الغياب أو معالجة وضع المفقود. لكن المحكمة نفسها قد تكون خارج الخدمة، أو انتقلت إلى مدينة أخرى، أو تعمل وسط ظروف استثنائية. وبذلك يصبح الضرر مزدوجاً: الحرب تضرب الأسرة، ثم تعطل جزءاً من المؤسسة التي يفترض أن تتعامل مع نتائج هذا الضرر.
من فقدان الدخل إلى تفكك العلاقة
بيانات نقلتها “سودان تربيون” عن مصادر في السلطة القضائية تحدثت عن نحو 35 ألف حالة طلاق منذ بداية الحرب، مع تصدر الخرطوم ثم الجزيرة وولايات دارفور. كما أشارت إلى ارتفاع قضايا النفقة والخلع في الولايات التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين.
الأسرة التي كانت تعتمد على راتب فقدته، والتاجر الذي أُغلق متجره، والموظف الذي توقفت مؤسسته عن العمل، والمرأة التي أصبحت مسؤولة عن أطفالها في مدينة نزوح جديدة، والزوج الذي اضطر إلى البقاء بعيداً عن أسرته بسبب الحرب؛ كل ذلك يضغط على العلاقة الزوجية من الداخل.
وتكشف قضايا النفقة هذا الضغط الذي تعانيه الأسر السودانية؛ إذ إن قانون الأحوال الشخصية يتيح للزوجة طلب التطليق لعدم الإنفاق في حالات محددة، وينظم أيضاً حالات الزوج الغائب أو مجهول الجهة عندما لا تصل النفقة إلى الزوجة؛ لكن الحرب لا تنتج فقط زوجاً عاجزاً عن الإنفاق، فقد تنتج زوجاً لا يمكن الوصول إليه، أو زوجة لا تستطيع الوصول إلى المحكمة، أو أسرة فقدت الوثائق والبيانات والقدرة على متابعة إجراءاتها.
وهكذا يتحول الخلاف الاقتصادي إلى مشكلة قانونية، ويتحول الغياب إلى أزمة أسرية، ويتحول النزوح إلى عامل يزيد المسافة بين أفراد الأسرة.
ما لا يظهر في أرقام الطلاق
لا بد أن نشير إلى أن وجود 35 ألف حالة طلاق خلال الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى اختزال للمشكلة، خاصة أنه إحصاء للطلاق المسجل فقط، أي ما وصل إلى مؤسسة قضائية وتم تسجيله. أما الأسر التي انفصل أفرادها من دون طلاق رسمي، أو الأزواج الذين يعيشون سنوات بعيداً عن بعضهم، أو النساء اللواتي يعجزن عن الوصول إلى المحكمة، أو الأسر التي لا تعرف مصير أحد أفرادها، فهذه الحالات لا تظهر بالضرورة ضمن هذا الرقم. وهنا تكمن أخطر زوايا الأزمة.
إذا كانت الحرب قد عطلت المحاكم في مناطق واسعة لفترات، فكم حالة انفصال لم تصل إلى سجل قضائي؟ وكم أسرة تعيش واقعاً منفصلاً من دون أن يكون الانفصال قد تحول إلى قضية أمام المحكمة؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها أرقام الطلاق وحدها.
كما أن الأزمة لا تنتهي عند الزوجين. الأطفال هم الطرف الذي يعيش نتائج الانفصال والنزوح وفقدان أحد الوالدين من دون أن يكون لهم قرار فيه.
خلال الحرب، جرى قياس الخسائر السودانية من خلال أعداد القتلى والنازحين، وحجم الدمار، وعدد المستشفيات والمدارس والمصانع التي خرجت من الخدمة.
لكن هناك خسائر لا يمكن تصويرها بطائرة مسيّرة ولا قياسها بعدد المباني المهدمة.
أسرة تشتتت، طفل كبر بعيداً عن أحد والديه، زوجة انتظرت زوجاً لا تعرف أين يوجد، زوج فقد أسرته بعدما فقد عمله ومصدر دخله، ومفقود ترك خلفه أسرة معلقة بين الانتظار والإجراءات القضائية.



