الأخبار

نيل العزيمة وشموخ النخيل سيرة عطاء في محراب تنقاسي *صهوة الأمل في حضن الوادي

د. عامر عوض الحاج

حين يتلاقى صفاء النيل مع حفيف النخيل الأبي، وتتهادى نسمات المساء العليلة لتعانق بساط البرسيم الأخضر، تتفتق الأرض عن حكايات تشبه الأساطير، لكنها تقطر واقعاً ونقاءً. تلك هي “تنقاسي”، القرية الوادعة التي تحفظ في رمالها أسرار الصمود، وتنجب على ضفاف النيل حرائر تعجن أحلامهن بعرق الآباء وطموحات الأجيال.
ومن بين تلك الزهرات العطرة، طلعت *إسراء محمد أحمد الازيرق* كشمس تبدد عتمة التحديات، مسطرة بمداد الجهد والعصامية ملحمة فريدة في التفاني ونكران الذات.
*بين محاريب التعليم وأروقة التحصيل*
لم تكن أيام إسراء تشبه أيام الفتيات في سنها؛ فقد حملت على عاتقها همّاً أكبر من سنين عمرها، وقلباً ينبض بحب والدها، ذلك المزارع المجتهد والـ”تربال” العصامي الذي طالما كابد الأرض ليزرع فيها الأمل. كانت إسراء تتطلع إلى التفوق دراسياً لتلتحق بركب العمل، عازمة على أن تمد يد العون لأبيها الذي أرهقته شمس الكفاح.
ولأن العزيمة الصادقة لا تعرف المستحيل، فقد تجاوزت إسراء حدود التمني إلى فضاء الفعل الواسع:
*معلمة ومربية*:
ارتقت منصة التدريس بكل ثقت، لتسهم في تنوير عقول أطفال الأساس وتدعم دخل الأسرة بجهد يمينها.
*طالبة مجتهدة*:
لم تكتفِ بدور المعلمة، بل واصلت رحلة التعلم بشغف لا يلين، حتى توجت صبرها ومابذلته من جهد بالتفوق المبهر في امتحان الشهادة السودانية، كأنها متفرغة تماماً للعلم لا تشغلها عنه شواغل الحياة.
دعوة للنهوض وبناء المستقبل
إن نموذج إسراء الازيرق ليس مجرد قصة نجاح فردية، بل هو أيقونة حية تحتذى، ومنارة تُعمّم في كل ربوع الوطن. إنها دعوة صادقة لكل كريمات القرى والمدن ليسهمن في مسيرة التعليم، طالبات ومعلمات، لملء الفراغ وسد النقص الذي تعاني منه المدارس.
وهي في الوقت ذاته رسالة ملهمة لشباب الجامعات والدارسين؛ ألا يبخلوا بأوقات فراغهم في “سد الفرقة” وتقديم وعاء المعرفة لمن يحتاجها، فالوطن يبنى بسواعد أبنائه وبناته معاً.
*عرفان وامتنان*
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نقف احتراماً وتقديراً لمجلس الآباء في تنقاسي، الذي أثبت كعادته سبقه ومبادراته الكريمة بتكريم إسراء في دارها، احتفاءً بتميزها وتخليداً لعصاميتها.
شكراً وافراً لكل من زرع أثراً طيباً في هذه الأرض، وشكراً لأبناء وبنات تنقاسي الأوفياء الذين يثبتون دائماً أن النيل العظيم لا يروي الأرض فحسب، بل يروي أرواحاً طاهرة تصنع المجد بصمت وإباء.

زر الذهاب إلى الأعلى