الأعمدة

الخلاص يتطلب إرادة شعبية ساحقة وتفكيك كامل لشبكات التمكين الاقتصادي والسياسي دون أي هوادة أو مساومة.

إن المتأمل في تاريخ السودان الحديث يدرك أن انقلاب الإنقاذ الكيزاني لم يكن مجرد انقلاب عسكري عابر بل كان مشروع استيلاء شامل على مفاصل الدولة فمنذ أول يوم بدأ التنظيم الإخواني في تنفيذ استراتيجية التمكين التي صممها حسن الترابي ولم يكتفوا بالسيطرة على الحكومة بل جعلوا إدارة كل مؤسسة مدنية وعسكرية من عناصرهم والجيش السوداني الذي كان يفترض أنه يدافع عن الوطن تحول إلى ذراع عسكرية للتنظيم وكانوا لا يسمحون بانضمام ضابط إلا إذا ثبت ولاؤه للحزب وبعد الاختيار لا يسمحون لضابط بالترقي والاستمرار ما لم يكن متطرفاً في الولاء فتم تسريح عدد كبير من الضباط الوطنيين بسبب هذا الأمر.
هذا التداخل العضوي بين ضباط الجيش وقيادات الحركة الإسلامية خلق كياناً هجيناً لا يمكن فصله فالجيش لم يعد مؤسسة دفاعية وطنية بل تحول إلى إمبراطورية اقتصادية تسيطر على الأراضي الزراعية وشركات الاستيراد والتصدير والمناجم والكارثة الاقتصادية التي يعيشها السودانيون اليوم ليست وليدة الصدفة أو سوء الإدارة فحسب بل هي النتيجة الطبيعية لسياسة الاقتصاد الحربي الذي تبناه هذا التحالف والموارد تنهب لتمويل الحروب وتصرف على شبكات المحسوبية. إن انهيار الجنيه السوداني وارتفاع التضخم إلى أرقام فلكية هو الجناية الكبرى التي يشترك فيها القادة العسكريون والرموز الإسلامويون بالتساوي.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة والتي تتطلب وقفات حادة وجادة فالمراهنة على انقلاب أبيض من داخل الجيش يتخلص فيه الضباط الأحرار من زعماء الكيزان لتسليم السلطة للمدنيين يبدو هذا أمراً مستحيلاً بل إن هذا الطرح يفتقر إلى الواقعية ويغفل حقيقة جوهرية مفادها أن المؤسسة العسكرية نفسها هي الشريك الأساسي في الجريمة ولا يوجد جيش نظيف ينتظر الخلاص من شريكه الملوث والضابط الذي يدير اليوم شبكة تهريب أو يسيطر على مزرعة شاسعة أو يحمي مصالح التنظيم هو نفسه جزء لا يتجزأ من المنظومة لذلك فإن التلويح بفكرة أن الجيش والحركة الإسلامية وجهان لعملة واحدة هو التشخيص الدقيق للواقع والعملة الواحدة لا يمكن شطرها إلى وجه نظيف ووجه قذر.
إن انتظار الفرج من داخل ثكنات الجيش هو وهم قاتل يضيع فرص التحول الديمقراطي وتجربة المجلس العسكري الانتقالي الأول وما تلاه من انقلاب أكدت أن العسكريين والإسلامويين يتقاسمون نفس العقلية الاستبدادية لذلك فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تبديل وجوه العسكر بل في تفكيك الدولة العميقة بالكامل وبناء مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة لسلطة مدنية ديمقراطية ولابد أن نعرف أن السودان لن ينهض إلا بقطيعة جذرية مع ثقافة التمكين والتغلغل الأمني ولابد أن نعرف أن الرهان على انقسام النخبة العسكرية أو انتظار منقذ عسكري هو مجرد سراب لن يحدث وأن المعركة في السودان ليست بين جيش وطني وتنظيم إرهابي بل هي معركة بين شعب منهوك يئن تحت وطأة الفقر والقتل وبين تحالف عسكري إسلامي استباح مقدرات الوطن وأن أي تسوية سياسية تتجاهل هذا التحالف وتتعامل مع المؤسسة العسكرية ككيان منفصل هي تسوية هشة ومآلها الفشل لذلك فإن الخلاص يتطلب إرادة شعبية ساحقة وتفكيك كامل لشبكات التمكين الاقتصادي والسياسي دون أي هوادة أو مساومة.
إيهاب الأمين

زر الذهاب إلى الأعلى