الأعمدة

رحلة الراديو في السودان: من إذاعة تنشر الفكر والفنون إلى مجرد ذكريات

بقلم/ إيهاب الأمين
شكل الراديو في السودان نافذة مشرعة على العالم وقدم الخبر الصادق والفن الأصيل والإبداعات المتنوعة وكان تأثيره ممتداً خاصة في القرى والمناطق التي تغيب عنها الكهرباء وتبقى الأجهزة الصوتية هي المتنفس وهي الوسيلة الوحيدة للترفيه والمعرفة وكان جهاز الراديو يحتل مكانة مرموقة داخل كل منزل سوداني بل وكان بمثابة الفرد الإضافي في العائلة يجمع الجميع حوله لمتابعة البرامج والأخبار والمسلسلات الإذاعية ولا نزال نذكر صوت عبدالقادر سالم في مسلسل (الدهباية) وصوت تحية زروق السحري وعطاء محمد رضا حسين المعبق بالجمال والمعبأ بالرومانسية وحاكم سلمان في دور الشرير وفي الخاطر دوماً مسلسلات هاشم صديق وأغنياته والشعار بصوت أبوعركي والجميلة سمية حسن في الحاجز..
يا ابويا قدامي الزمن
مجنون وغامض ومنقسم
لا قدرت أطرد للشقا
لا إرتحت في وَلَه الرسم
قلّوني في جمر الأسى
ودقوا المسامير في الإسم
بذروا الأسف يا بويا
في عيوني وطغوا
وهدّوا الخواطر والجسم
في تلك الحقبة الزمنية لم تكن الكهرباء تصل إلى معظم المناطق في السودان مما جعل الإذاعة المسموعة تتربع على عرش الإعلام بلا منازع وتحقق متابعة جماهيرية واسعة لا مثيل لها في المدن التي بدأت تتعرف على وسائل أخرى وكانت إذاعة واحدة تسيطر على المشهد الإعلامي بأكمله وهي إذاعة أم درمان التي امتلكت تأثيراً كبيراً ومصداقية عظيمة ومحبة جارفة من الجمهور السوداني وكانت هناك قاعدة غير مكتوبة مفادها أن الفنان الذي لم يغنِّ في إذاعة أم درمان لا يعتبر فناناً حقيقياً والخبر الذي لم تنقله الإذاعة الرسمية لن يصدقه أي شخص إلى جانب هذه الإذاعة المركزية كانت توجد بعض الإذاعات الإقليمية القليلة جداً مثل إذاعة جوبا وإذاعة ود مدني التي تأسست عام 1986 وكانت هذه المحطات الإقليمية تعمل لساعات محدودة في اليوم ومع مرور الوقت وتوسع شبكة الكهرباء بدأ المشهد يتغير تدريجياً حيث وجدت الإذاعة المسموعة منافساً شرساً في التلفزيون وفي ظهور القنوات الفضائية ونجد في أي منطقة تستقر فيها الكهرباء الراديو يبتعد عنه الناس ويفضلون مشاهدة الشاشة البلورية. هذا التحول جعل الإذاعة تفقد بريقها في المدن تدريجياً بينما حافظت على تواجدها القوي في القرى لفترة أطول.
وفي السنوات الأخيرة تراجع دور الراديو التقليدي بشكل ملحوظ وأصبح لا يستمع إليه إلا القليلون مثل شخص يقود سيارته أو شخص يعمل داخل بقالة صغيرة وحتى هؤلاء القليلين نجدهم منقسمين بين محطات إف إم الكثيرة والمتنوعة والتي غيرت طبيعة الاستماع كما أن الكثير من هؤلاء المستمعين يفضلون الآن تشغيل فلاش ديسك يحتوي على أغانيهم وبرامجهم المفضلة بدلاً من انتظار بث الإذاعة المباشر مما يعكس تغيراً جذرياً في عادات الاستهلاك الإعلامي لدى الجمهور السوداني.
أمام هذا التراجع برزت ردود فعل متباينة من العاملين في المجال الإعلامي فبعض العاملين القدامى ظلوا يدافعون عن وجود الإذاعة ويرفضون أن يتجاوز الزمن هذه المؤسسات التاريخية التي فقدت تأثيرها السابق وفي المقابل أدرك فريق آخر واقع التحول الرقمي واجتهد في المواكبة بتحويل إذاعاتهم إلى قنوات فضائية أو جعلها إذاعة تبث كقناة تلفزيونية بوضع صورة واحدة ثابتة مع برامج متنوعة وبعض هذه الإذاعات نشرت بثها عبر تطبيقات الجوال لتصل إلى المستمعين في أي مكان وفي أي وقت.
رغم هذا الاضمحلال الواضح لا يمكن إنكار الأثر الثقافي والاجتماعي العميق الذي تركه الراديو في الوجدان السوداني حيث ساهم في توحيد اللهجات ونشر الإبداعات المختلفة في وطن متعدد الثقافات ونشر الوعي وربط أطراف البلاد الشاسعة ببعضها البعض واليوم نرى أن روح الراديو لم تمت تماما بل تحولت إلى أشكال جديدة مثل البودكاست والمنصات الصوتية الرقمية التي يعشقها الشباب. صحيح اضمحلت الإذاعات التقليدية وكاد تأثيرها يندثر وربما تختفي تماماً في الفترات المقبلة لتتحول من وسيلة إعلامية يومية إلى ذكرى جميلة وعشق أزلي في قلوب من عاصروا عهدها الذهبي.

زر الذهاب إلى الأعلى