الأعمدة

مفهوم الإحترام… والإيمانُ في الإسلام ‼️ ماذا تكشف حرب السودان عن احترام الإنسان؟!

محمد الفاتح حضرة
الإحترام…
هل هو مجرد أدب نتعلمه في بيوتنا ومدارسنا؟!
أم أنه أعمق من ذلك؟!

في تقديري، الاحترام في أصله قيمة إنسانية وأخلاق بشرية كريمة.
أن تعرف للإنسان قدره.
أن تحفظ كرامته.
أن لا تهينه لأنك أقوى منه.
أن لا تظلمه لأنه يختلف معك.
وأن لا تجعل الخصومة سبباً في إسقاط إنسانيتك وإنسانية خصمك.
ولهذا عرفت البشرية، عبر تاريخها الطويل، صوراً من المروءة والشهامة وأخلاق الفروسية.
حتى في الحروب كانت هناك، عند كثير من الأمم، قواعد للخصومة:
لا تغدر.
لا تمثل بالقتيل.
لا تقتل من لا يقاتلك.
لا تهين الأسير.
لا تستبيح النساء والأطفال.
ولا تجعل انتصارك على خصمك مبرراً لسقوطك الأخلاقي.
فأنت مطالب باحترام خصمك وعدوك، حتى وهو خصمك وعدوك.
فالعداوة لا تلغي الإنسانية.
والخصومة لا تمنحك رخصة الظلم.
والقوة لا تعطيك الحق في إذلال الضعيف.
ثم جاء الإسلام…
فلم يأت ليهدم هذه المكارم الإنسانية، وإنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويجعلها جزءاً من الدين والإيمان.
قال رسول الله ﷺ:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
🛑 🫵ومن هنا تبدأ العلاقة بين الاحترام والإيمان‼️
الإسلام لا ينظر إلى الأخلاق باعتبارها زينة إضافية في شخصية المسلم.
بل يجعل الأخلاق ثمرة من ثمار الإيمان.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»
تأملوا:
لم يقل النبي ﷺ:
من كان مؤدباً…
أو من كان صاحب ذوق…
بل ربط الكلمة والأدب وضبط اللسان بالإيمان بالله واليوم الآخر.
وقال ﷺ:
«ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»
فالمؤمن الحقيقي لا يكون طعاناً ولا لعاناً ولا فاحشاً ولا بذيئاً.
وهذا يعني أن احترام الآخرين ليس منفصلاً عن الإيمان.
كلما رسخ الإيمان في القلب، كان أثره ظاهراً في أخلاق صاحبه.
ولهذا جاء القرآن فقال:
﴿وَلَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾
بعد الإيمان‼️
وكأن القرآن يضع أمامنا العلاقة بصورة واضحة:
قد يكون الإنسان مختلفاً معك…
وقد تكره موقفه…
لكن ذلك لا يعطيك الحق في السخرية منه أو لمزه أو التنابز معه.
لأن الإيمان يضع للخصومة حدوداً.
🛑 الشريعة الإسلامية تضبط الإحترام حتى عندما يغيب الحب‼️
قد لا تحب إنساناً.
وقد تختلف معه.
وقد تكون خصماً له.
وقد يكون عدواً لك.
لكن الشريعة لا تقول لك:
إذا أحببته فاعدل معه.
وإذا كرهته فافعل ما تشاء.
بل يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
وهنا تظهر عظمة الإسلام.
الاحترام في الإسلام لا يقوم على الحب.
بل يقوم على العدل والتقوى.
ولهذا يمكن أن ترفض فكرة إنسان، وتحارب باطله، وتختلف مع عقيدته أو سياسته، دون أن تظلمه أو تهينه أو تستبيح حقوقه.
وهنا يصبح الاحترام عبادة أخلاقية، لا مجرد مجاملة اجتماعية.
🛑 بل إن الإسلام يعلمك احترام الإنسان لمجرد أنه إنسان‼️
مرت جنازة يهودي أمام النبي ﷺ فقام لها.
فقيل له:
إنها جنازة يهودي.
فقال ﷺ:
«أليست نفساً؟»
تأملوا هذه الكلمة النبوية العظيمة.
لم يقل:
أليست نفساً مسلمة؟!
بل:
«أليست نفساً؟»
فهذا هو الإسلام الذي يربط الأخلاق بالإيمان:
الله كرّم بني آدم.
والنبي ﷺ يرى في الإنسان نفساً لها حرمتها.
والشريعة تمنع الظلم.
والإيمان يمنع الفحش والبذاءة والعدوان.
فإذا كان هذا هو موقف الإسلام من الإنسان المختلف معك في الدين…
فكيف يكون موقف المسلم من أخيه المسلم عندما يصبح خصماً له؟!

🛑 حتى الحرب لا تُسقط أخلاق الإسلام‼️
قال تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
لاحظوا:
قاتلوا… ولا تعتدوا.
فالقتال لا يعني سقوط كل الحدود.
والعدو لا يصبح بلا حرمة.
والأسير لا يصبح شيئاً بلا كرامة.
والمدني لا يصبح مقاتلاً لمجرد أنه في منطقة يسيطر عليها خصمك.
والمرأة ليست هدفاً.
والطفل ليس هدفاً.
والشيخ ليس هدفاً.
والمال ليس مباحاً لمجرد أن صاحبه في الجهة الأخرى.
هذه هي أخلاق الإسلام عندما تتحول القوة إلى اختبار للإيمان.

🛑 والآن… ماذا عن السودان؟!
هنا يصبح الحديث أكثر إيلاماً.
لأن طرفي الحرب في السودان لم يكونا عدوين تاريخيين.
بل كانت بينهما سنوات طويلة من التعاون والتنسيق والمصالح المشتركة.
كان الجيش والدعم السريع جزءاً من منظومة السلطة في عهد نظام الإنقاذ وعمر البشير.
ثم استمرا معاً بعد سقوط البشير.
وكان البرهان وحميدتي معاً في قمة السلطة.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021، فكانا معاً في المشهد.
وكانت هناك قوى سياسية وحاضنة واسعة، من بينها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، ارتبطت مصالحها ومواقفها، في مراحل مختلفة، بهذه المنظومة.
كان هناك تفاهم.
وكان هناك تعاون.
وكان هناك احترام متبادل في الظاهر.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه:
هل كان احتراماً حقيقياً؟!
أم كان في جانب كبير منه احتراماً تحكمه المصلحة المشتركة وتوازن القوة والحاجة المتبادلة؟!
لأن الاحترام الحقيقي لا يظهر عندما تكون المصالح متفقة.
الاحترام الحقيقي يظهر عندما تختلف المصالح.
🛑 وعندما اختلفوا… ظهر الاختبار الحقيقي‼️
عندما اشتد الصراع على السلطة والنفوذ والثروة ومستقبل الدولة…
تحول الشريك إلى خصم.
والحليف إلى عدو.
والذي كان يجلس إلى جوارك في السلطة أصبح هدفاً عسكرياً.
ثم انفجرت حرب 15 أبريل 2023.
فإذا بالخطاب يتغير.
واللغة تتغير.
والخصومة تتحول إلى كراهية.
والكراهية تتحول إلى تحريض.
والتحريض يتحول إلى استباحة.
وكأن كل ذلك الاحترام السابق كان ينتظر فقط لحظة اختلاف المصالح حتى يسقط.
🛑 ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة كانت مؤشراً مبكراً‼️
في 3 يونيو 2019 كان المعتصمون أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم.
وكانت القوات الموجودة والمشاركة في محيط الاعتصام تضم تشكيلات من القوات المسلحة والدعم السريع والشرطة وأجهزة وقوات أمنية وعسكرية أخرى.
ولهذا لا يصح اختزال المشهد كله في طرف واحد.
لقد كان هناك أكثر من جهاز وقوة مسلحة في ذلك المكان.
وفي الجهة الأخرى كان هناك مواطنون عزل.
شباب.
نساء.
طلاب.
أطباء.
مسعفون.
عمال.
أسر.
أناس خرجوا يطلبون الحرية والكرامة والحكم المدني.
ثم وقعت عمليات قتل وإصابة واعتقال وتعذيب وعنف جنسي ونهب وتخريب.
وهنا كان الاختبار الأخلاقي واضحاً:
ماذا يفعل الإنسان عندما يمتلك السلاح ويقف أمام إنسان أعزل؟!
هل يحترم كرامته؟!
هل يحفظ دمه؟!
هل يحفظ حرمته؟!
أم يرى في القوة رخصة لإذلاله؟!

🛑 ثم جاءت الحرب… فكانت هي الفاضحة للأخلاق وحقيقة الإيمان ‼️
خلال الحرب، وثقت الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات المسلحة السودانية والدعم السريع وحلفاؤهما، شملت قتل المدنيين والإعدامات والاحتجاز التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والهجمات على مناطق ومنشآت مدنية، إلى جانب خطاب الكراهية ونزع الصفة الإنسانية عن الخصوم.
كما وثقت انتهاكات واسعة وخطيرة ارتكبها الدعم السريع وحلفاؤه في دارفور.
وهنا لا نحتاج إلى أن ننتمي إلى أي طرف حتى نطرح السؤال:
أين احترام الإنسان؟!
أين احترام المدني؟!
أين احترام الأسير؟!
أين احترام المرأة؟!
أين احترام الطفل؟!
أين احترام الشيخ؟!
أين احترام مال المواطن وبيته؟!
وأين احترام النفس التي قال عنها النبي ﷺ:
«أليست نفساً؟»

🛑 الأخطر… أن الإساءة قد أصبحت شيئاً يُحتفى به في السودان ‼️
ظهرت خلال الحرب نماذج مؤلمة من البذاءة والشتم والتحريض والتشهير والتخوين، حتى أصبح بعض أنصار الطرفين يحتفون بمن يسيء إلى الطرف الآخر، بدلاً من أن ينكروا عليه إساءته.
ومن النماذج التي تداولها السودانيون قصة حماد الدندر وما نُسب إليه من شتم أمهات جنود الدعم السريع، ثم الاحتفاء به ومنحه عمرة مجانية على نفقة الدولة بسبب ذلك.
ولنفترض جدلاً أن كل من يقاتل في صف الدعم السريع مجرم…
فما ذنب أمهاتهم؟!
هل ارتكبن جريمة أبنائهن؟!
وهل يجوز أن تتحول الأم إلى هدف للشتيمة والتحقير لأنها أم لرجل تقاتله؟!
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾

بل السؤال الأهم:
كيف نحتفي بالبذاءة ثم نزعم أننا ندافع عن أخلاق الإسلام؟!

🎭🛑 وأين كان احترام الإسلام عند من يرفعون رايته؟‼️
إذا كان الاحترام في الإسلام من أخلاق الإيمان، وإذا كان المسلم مأموراً بأن يحفظ لسانه، ويصون كرامة الإنسان، ويعدل حتى مع من يخاصمه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى خطاب الحاضنة السياسية والفكرية لقادة الجيش، من الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني ومن ارتبط بهم من القوى والتيارات التي تُقدّم نفسها اليوم تحت مسمى «التيار الإسلامي العريض».
فماذا وجدنا في كثير من منابرهم وصفحاتهم ومنصاتهم الإعلامية؟!
بدلاً من أن تكون نموذجاً في أخلاق الإسلام، رأينا ــ في نماذج كثيرة ــ التخوين، والسباب، والتشهير، والتحريض، والشماتة، وإهدار كرامة الخصوم، وتعميم الاتهامات على جماعات سياسية ومدنية بأكملها.
بل إن الأمر تجاوز الخصومة السياسية إلى إهدار حرمة الخصم المسلم نفسه، وإلى خطاب يجعل كل من يدعو إلى السلام أو التفاوض أو وقف الحرب كأنه خائن للوطن أو للدين‼️
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
أين هي سنة النبي ﷺ في الصلح والمهادنة عندما تكون المصلحة في حقن الدماء؟!
لقد صالح النبي ﷺ مشركي قريش في الحديبية، رغم أنهم كانوا خصوماً وأعداءً للمسلمين.
وقبل النبي ﷺ شروطاً شديدة على المسلمين، حتى إن بعض الصحابة وجدوا في شروط الصلح مشقةً شديدة.
ومع ذلك اختار النبي ﷺ الصلح، لأن الإسلام لا يجعل استمرار الحرب غايةً في ذاتها.
والقرآن يقول:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
وهذه ليست دعوة إلى الاستسلام للباطل، ولا إلى ترك الحقوق والعدالة.
إنها تذكير بأن السلام قد يكون أحياناً هو الموقف الأقرب إلى مقاصد الشريعة عندما يحقن الدماء ويفتح باباً للحل.
وقد عاش النبي ﷺ وتعامل مع اليهود والنصارى، وعقد العهود والمواثيق، وتعامل معهم في شؤون الحياة، ولم يجعل مجرد اختلاف الدين سبباً لإلغاء إنسانيتهم أو إسقاط حقوقهم.
فكيف يصبح مجرد الاختلاف السياسي بين المسلمين أنفسهم سبباً للتحريض على بعضهم، والتخوين، وإهدار الكرامة، والدعوة إلى استمرار الحرب بلا نهاية؟!
ثم انظروا إلى ما حدث في السودان‼️
منذ اندلاع الحرب، ظلت أصوات مؤثرة في المعسكر المؤيد للجيش تدعو إلى استمرار القتال، وترفض الهدنة أو التسوية، وتهاجم القوى المدنية والسياسية التي سعت إلى وقف الحرب والتفاوض بين الطرفين.
وعندما تحركت قوى مدنية وسياسية سودانية وطنية لوقف الحرب، وعلى رأسها مجموعة صمود، ومن بينهم الدكتور عبدالله حمدوك وخالد عمر يوسف وبابكر فيصل ورفاقهم، لم يكن الرد دائماً مجرد اختلاف سياسي هادئ.
بل وصل الأمر إلى اتهامهم بالخيانة والعمالة، وإهدار مكانتهم السياسية والوطنية، بل وإصدار أوامر قبض بحق عدد من قادتهم.
‼️ وهنا لا أسأل عن صحة الاتهامات من عدمها؛ فهذا شأن القضاء والأدلة والمحاكم.
أنا أسأل عن الخطاب الأخلاقي الذي صاحبها:
هل يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين شامل؟!
هل يجوز أن يصبح كل من يدعو إلى وقف الحرب عميلاً وخائناً وعدواً للوطن؟!
وهل هذه هي أخلاق الإسلام في إدارة الخلاف بين المسلمين؟!
ثم جاءت مرحلة أخطر:
إهدار دماء الخصوم السياسيين في الخطاب التعبوي، والتحريض عليهم، وربطهم بالخيانة والعمالة، بما خلق مناخاً يمكن أن ينظر فيه بعض المتطرفين إلى المدني والسياسي المخالف باعتباره عدواً يستحق القتل.
وهنا يجب أن نقف‼️
إذا كان الرجل الذي تقاتله مجرماً، فحاسبه بالقانون.
وإذا كان خائناً، فقدم دليلك عليه أمام القضاء.
وإذا كان متعاوناً مع العدو، فليُحاكم وفق القانون.
لكن لا تجعل التحريض والشتيمة وإهدار الدم بديلاً عن القضاء.
فالإسلام الذي يتحدثون باسمه لم يجعل الحرب باباً مفتوحاً لسقوط الأخلاق.
ولم يقل إن الخصومة تُسقط حرمة الإنسان.
ولم يقل إن من يخالفك في السياسة يصبح مباح العرض والدم.
بل قال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
‼️ فإذا كان الإسلام قد علّم النبي ﷺ كيف يصالح خصومه من المشركين في الحديبية، وكيف يتعامل مع أهل الكتاب، وكيف يحفظ العهود والمواثيق؛ فكيف يتحول المسلم السوداني المختلف سياسياً إلى عدو لا يستحق حتى الاحترام؟!
وهنا يعود السؤال إلى أصله:
إذا كان الاحترام من أخلاق الإيمان… فأين ذهب الإيمان عندما سقط الاحترام؟!
🛑 وهنا تتضح العلاقة ما بين الاحترام والإيمان‼️
ليست المشكلة أن الإنسان أخطأ في اختيار كلمة.
المشكلة عندما يصبح الخطأ الأخلاقي منهجاً يُبرَّر ويُحتفى به.
عندما يكذب على خصمه.
عندما يغدر به.
عندما يشتم أمه.
عندما يشمت في موته.
عندما يبرر قتله.
عندما يفرح بإهانته.
عندما يستبيح ماله.
عندما يبرر تعذيب أسيره.
ثم يقول:
أنا أفعل ذلك دفاعاً عن الدين أو الوطن أو الحق.
هنا يجب أن نتوقف.
لأن الإسلام لا يفصل بين الغاية والأخلاق.
ولا يجعل الدفاع عن الحق رخصة لفعل الباطل.
ولا يجعل نصرة الدين مبرراً لمخالفة أخلاق الدين.
لا تستطيع أن تدافع عن الإسلام بأخلاق تخالف الإسلام.
🛑 وفي النهاية… هذا هو السؤال الحقيقي‼️
لا أريد أن أسأل:
من هو الأفضل؟!
ولا من هو الأسوأ؟!
ولا من نؤيد؟!
فهذا شأن آخر.
السؤال الذي يهمني هنا:
ماذا تكشف الحرب عن أخلاقنا؟!
فالاحترام لا يظهر عندما يكون الآخر صديقاً.
بل عندما يصبح خصماً.
ولا يظهر عندما تتفق المصالح.
بل عندما تتعارض المصالح.
ولا يظهر عندما تكون ضعيفاً.
بل عندما تكون قوياً وقادراً على الظلم ثم تختار ألا تظلم.
والإيمان لا يظهر فقط في الصلاة والشعارات والكلمات.
بل يظهر عندما تغضب.
ويظهر عندما تختلف.
ويظهر عندما تملك القوة.
ويظهر عندما يكون خصمك في يدك.
ويظهر عندما تستطيع أن تشتمه ولا تشتم.
وتستطيع أن تظلمه ولا تظلم.
وتستطيع أن تهينه ولا تهين.
وتستطيع أن تنتقم من أهله ولا تنتقم.
هنا يظهر أثر الإيمان في الأخلاق.
وهنا يظهر معنى الإسلام الحقيقي.
فإذا كان النبي ﷺ قد قام لجنازة يهودي وقال:
«أليست نفساً؟»
وإذا كان القرآن يأمرنا بالعدل حتى مع من نكره:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
فالسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعاً:
ماذا بقي في حرب السودان من احترام الإنسان؟!
وماذا بقي من أخلاق الخصومة؟!
وماذا بقي من أثر الإيمان في سلوك المتحاربين وأنصارهم؟!
فالإسلام ليس راية نرفعها فوق المعركة فقط…
الإسلام أخلاق تظهر داخل المعركة.
الإيمان ليس كلمة نقولها…
الإيمان أخلاقٌ تمنعنا من الظلم عندما نكون قادرين عليه.
✍️ محمد الفاتح حضرة

زر الذهاب إلى الأعلى