تقارير

السودان.. الحرب تعصف بسبل العيش وتضغط على دخل الأسر

يرصد تحليل أعدته مؤسسةData Friendly” Space”، بالاستناد إلى بيانات ومعلومات من وكالات ومنظمات إنسانية ومصادر محلية. تأثير الحرب على سبل العيش ودخل الأسر، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، واضطراب حركة التجارة والأسواق، وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير التحليل إلى أن الحرب أدت إلى اضطراب النشاط الاقتصادي في السودان، بعدما عطلت التجارة والإنتاج، ورفعت الأسعار، وأضعفت الصادرات، خاصة صادرات الذهب والسلع الزراعية. كما فقدت أعداد كبيرة من الأسر مصادر دخلها نتيجة تضرر الأنشطة الاقتصادية واستمرار القتال.
أزمة الانتاج الزراعي
وتراجع الإنتاج الزراعي في السودان بنسبة تتراوح بين 30 و50%، بحسب تحليل «Data Friendly Space»، مما أدى إلى انخفاض دخول المزارعين وأثر في الأنشطة المرتبطة بالقطاع الزراعي، بما فيها النقل والتجارة والتصنيع والخدمات.
وفي القطاع الصناعي، وفق التحليل، توقفت أو تضررت نحو 70 إلى 80% من المنشآت، فيما أغلقت نحو ثلث الشركات، ما أدى إلى تراجع فرص العمل الرسمية وانخفاض دخول الأسر المرتبطة بالقطاع.
وانعكس تراجع النشاط الاقتصادي على الناتج المحلي الإجمالي، الذي انخفض من نحو 51.67 مليار دولار في عام 2022 إلى 31.51 مليار دولار في عام 2025، وفق البيانات التي استند إليها تحليل «Data Friendly Space».
نسب التضخم
ومن جهة أخرى، أدى التضخم الحاد وتراجع قيمة الجنيه السوداني إلى تآكل الدخول الحقيقية والقدرة الشرائية للأسر، إذ بلغ سعر الدولار نحو 3,500 جنيه سوداني في السوق السوداء خلال أبريل 2026، بحسب البيانات التي أوردها التحليل.
وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه السوداني إلى تآكل القوة الشرائية للأسر. ووفق تحليل «Data Friendly Space»، وصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 3,500 جنيه سوداني في أبريل 2026، ما رفع كلفة السلع والخدمات وخفض القيمة الفعلية لدخول الأسر.
وشهدت الأسواق مزيداً من الضغوط خلال يوليو 2026، إذ ارتفع سعر الذرة الرفيعة بنسبة 23% مقارنة بالشهر السابق، بينما زاد سعر دقيق القمح بنسبة 27%. كما ارتفعت تكلفة سلة الغذاء المحلية التي يرصدها برنامج الأغذية العالمي بنسبة 22%.
تراجع القدرة الشرائية
وفي المقابل، ارتفعت أجور العمالة اليومية بشكل محدود إلى نحو 17,237 جنيهاً سودانياً، بحسب البيانات التي أوردها تحليلData Friendly” Space”، فيما لم تواكب هذه الزيادة ارتفاع أسعار الغذاء، وقد أدى ذلك إلى مزيد من تراجع القدرة الشرائية للأسر التي تعتمد على العمل اليومي.
وزادت أسعار الوقود والنقل من أعباء المعيشة على الأسر، بعدما رفعت كلفة نقل السلع والخدمات وأسهمت في زيادة أسعارها، حيث استنزف جزءاً أكبر من دخول الأسر لتغطية الاحتياجات الأساسية. كما رفعت تكاليف التشغيل على أصحاب الأعمال وأضعفت قدرة الأنشطة الصغيرة على الاستمرار.
اتساع النزوح
وزادت خسائر سبل العيش مع اتساع النزوح، إذ اضطر نحو 13 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخلياً، وفق الأرقام التي أوردها التحليل. وفقد كثير من النازحين أعمالهم ومصادر دخلهم بعد مغادرة مناطقهم، ما جعل تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة ودفع مزيداً من الأسر إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وفي القطاع الزراعي، عطّل استمرار القتال والهجمات بالطائرات المسيّرة أعمال المزارعين، بعدما ألحقت أضراراً بمنشآت تصنيع الأغذية وشبكات المياه والكهرباء، وأعاقت الإنتاج ونقل المحاصيل ووصولها إلى الأسواق.
كما تراجعت قدرة المزارعين على الحصول على المدخلات الزراعية الأساسية، من البذور وقطع الغيار إلى صيانة أنظمة الري والأدوية واللقاحات البيطرية. وأدت قلة المراعي والنزوح إلى تراجع الإنتاج الحيواني، فيما فقد كثير من المزارعين القدرة على الوصول إلى أراضيهم وزراعتها.
وتواجه الأسواق الزراعية ضغوطاً بسبب تراجع قيمة الجنيه وارتفاع رسوم الصادرات وتجزؤ الأسواق، فيما تحد أضرار البنية التحتية للنقل والأسواق من قدرة المنتجين على إيصال منتجاتهم إلى المستهلكين داخل السودان وخارجه.
وأدى ضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق إلى تراجع الخدمات الزراعية، فيما زادت القيود على الأراضي والرسوم ونقاط التفتيش والإجراءات البيروقراطية من صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم والخدمات الزراعية، والحد من قدرتهم على الاستثمار في الإنتاج.
كما أثّر تأخر صرف أجور العاملين في القطاع العام وتراجع قيمتها الفعلية على قدرة الموظفين على تقديم الخدمات الزراعية، بما في ذلك خدمات الري والطب البيطري، في وقت تواجه فيه المؤسسات المحلية ضغوطاً كبيرة بسبب الحرب.
وقدمت المنظمات الإنسانية مساعدات محدودة لدعم النشاط الزراعي، شملت توفير البذور والجرارات الصغيرة، لكن صعوبات الوصول والمخاطر الأمنية حدّت من حجم هذه المساعدات وتوقيتها، خصوصاً قبل مواسم الزراعة.
ويشير التحليل إلى أن إنتاج المحاصيل ظل في 2025 دون متوسط السنوات الخمس السابقة، فيما تراجع الإنتاج الحيواني بسبب نقص المراعي والأدوية واللقاحات البيطرية، ما أثر في سلاسل القيمة الزراعية ودخول الأسر الريفية.
وتزيد هذه الضغوط الحاجة إلى دعم سبل العيش الزراعية، في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل وصعوبات في الوصول إلى المتضررين. وبحسب التحليل، وصلت المساعدات الإنسانية إلى نحو 11 مليون شخص بحلول منتصف العام، بينما لم يتجاوز تمويل الاستجابة ذات الأولوية 40% بقليل.
وتوضح هذه المؤشرات أن الحرب تضرب مصادر دخل الأسر، من الزراعة والعمل اليومي إلى الصناعة والتجارة، في وقت يؤدي فيه ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الجنيه إلى استنزاف قدرتها الشرائية.
ومع استمرار القتال وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والمدخلات، تتسع الفجوة بين دخول الأسر واحتياجاتها الأساسية، فيما تواجه الزراعة والأنشطة الإنتاجية تحديات متزايدة تعرقل التعافي الاقتصادي وتزيد الضغط على الاستجابة الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى