تقارير

بريطانيا” تتجه إلى وضع توصيف دولي جديد للقوات المسلحة

فاقد للشرعية ولا يمتلك التفويض لتمثيل السودان...

تعرّض الجيش السوداني لأكبر موجة كشف استقصائي دولي منذ بداية الحرب، تتعلق كلها بملفٍ واحد، ألا وهو السلاح الكيميائي.
يتزامن هذا مع ما قالته السفيرة البريطانية لحقوق الإنسان، إلينور ساندرز في مقابلة هامة مع “سكاي نيوز عربية” أمس الأول، إن بلادها لا تعتقد أن الجيش السوداني يحظى بدعم شعبي، ولا تراه صاحب تفويض كافٍ لتمثيل السودان، وإنه لم يصل إلى السلطة بطريقة شرعية.
مما لا شك فيه أن هكذا تصريح من مسئول حكومي بريطاني، لا يمكن تقييمه فقط بوصفه تعليق دبلوماسي عابر، والأهم من مضمون التصريح هو توقيته الذي يتزامن مع قضية استخدام السلاح الكيميائي.
سؤال الشرعية
إن السؤال الذي طرحته ساندرز عن شرعية الجيش وُلد من رحم فضيحة كيميائية بدأت تُعيد تشكيل صورة المؤسسة العسكرية السودانية في نظر العالم.
إلينور ساندرز سفيرة المملكة المتحدة لحقوق الإنسان ونائبة الممثل الدائم لبريطانيا لدى الأمم المتحدة في جنيف، تولت منصبها في أغسطس 2024، وشغلت قبله مناصب مرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن الدولي، بينها رئاسة وحدة سوريا في الخارجية البريطانية.
إذن فهي عندما تتحدث فهي لا تتحدث من خارج المؤسسة الرسمية، بل من داخل جهاز الدولة البريطانية المعني تحديدًا بالدفاع عن حقوق الإنسان في المحافل متعددة الأطراف. وهذا يمنح تصريحها طابعًا أقرب إلى الموقف الرسمي منه إلى الرأي الشخصي.
كشوفات الكيميائي
لفهم حجم الضغط الذي سبق تصريح ساندرز، يجب النظر إلى تراكم الكشوفات الاستقصائية التي سبقته مباشرة، ففي 5 سبتمبر الجاري، نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في تحقيق استند إلى مجموعة من الوثائق والفيديوهات والرسائل التي أشارت إلى وجود برنامج سوداني للأسلحة الكيميائية، وذخائر تحتوي على غازات خانقة، ومواقع لإنتاج واختبار هذه الذخائر مرتبطة بقاعدة مروي.
التحقيق ربط الملف بالعميد طارق حسين محمد مدني، الضابط الذي وُصف بأنه المسؤول عن هذا البرنامج، وبعلاقته المباشرة بقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
كذلك نشر موقع “يورونيوز” في 9 سبتمبر الجاري، عبر الصحفية إليونورا فاسكيز، تحقيقا آخر استند إلى دراسة بحثية من 32 صفحة أعدّها خبير سابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، إضافة إلى ثماني مقابلات مع شهود عيان.
التحقيق ركّز على واقعة محددة، حادثة مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024، والتي رُصدت فيها مؤشرات ميدانية على استخدام فعلي لعامل كيميائي خانق، لا مجرد امتلاك برنامج نظري.
أما آخر تحقيق فقد جاء من صحيفة “نيويورك تايمز”، وكشف تفاصيل أكثر دقة حول تسريب الملف نفسه، وحوى رسالة نصية متداولة بين ضباط ميدانيين تقول حرفيًا إن قوات الدعم السريع في الجيلي “شربوا الغاز”، إلى جانب مخطط هندسي لرأس حربي (warhead) بوزن 33 رطلًا من الكلور، وتصريحات لمسؤولين أمريكيين نقلت عن مصادرهم أن استخدام هذا السلاح تم بموافقة مباشرة من البرهان نفسه.
ولم يكن لافتًا فقط مضمون التسريب، بل توقيته أيضاً، فقد رافقه توقيف مفاجئ للواء حافظ التاج مكي مدير مكتب القائد العام السابق ومدير إدارة العمليات الحربية الحالي في أبريل 2026، وهو ما قرأه كثير من المراقبين كمؤشر على صراع نفوذ داخلي مرتبط بالملف ذاته، لا مجرد إجراء إداري روتيني.
وفوق هذه التحقيقات الثلاثة، كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات مسبقة بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 (EO 14098) على شركات اتُهمت بالمساهمة في سلاسل توريد الكلور المرتبط بهذا البرنامج، أي أن الشك الأمريكي الرسمي في الملف سبق حتى موجة الكشف الصحفي الأخيرة.
لذلك هذا هو السياق الذي صدر فيه تصريح ساندرز، ولا يجب قراءته بوصفه تعليقًا معزولًا على “حرب طويلة”، بل تعليق جاء في ذروة أسبوعين حوّلت فيهما ثلاث مؤسسات إعلامية واستخباراتية غربية كبرى الشك من افتراض نظري إلى ملف موثّق بالوثائق والشهود والمخططات الهندسية.
جريمة دولية
إن الاتهامات تخرج من إطار “انتهاكات قانون الحرب” الأكثر شيوعًا إلى إطار الجرائم الدولية المرتبطة تاريخيًا بأنظمة اعتُبرت خارجة عن الشرعية الدولية، على غرار ما حدث سابقًا مع العراق وسوريا.
بالإضافة إلى ذلك أن امتلاك برنامج ممنهج، لا حادثة فردية، يحوّل النقاش من مساءلة عن سلوك ميداني إلى تشكيك مؤسسي في القيادة والعقيدة التي تُدير الجيش من أعلى الهرم، وهو ما تؤكده الاتهامات الموجهة مباشرة لشخص البرهان في تحقيقي واشنطن بوست ونيويورك تايمز.
إن تفاصيل مثل مخطط الرأس الحربي ورسالة “شربوا الغاز” تنقل الملف من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى الدليل المادي القابل للتحقق، وهو ما يصعب على أي حكومة نفيه بمجرد بيان دبلوماسي.
لا شك أن المجتمع الدولي تعامل طويلًا مع انتهاكات الحرب السودانية، مثل القصف العشوائي، الاعتقال التعسفي، التعذيب، باعتبارها جزءاً من “أفعال حرب” تُدان لكنها لا تُعيد النظر جذرياً في صفة الطرف المرتكب.
تقارير بعثة تقصي الحقائق الأممية (2025) ومنظمة هيومن رايتس ووتش (أبريل 2026) وثّقت انتهاكات جسيمة من الجيش، لكنها لم تُترجم فورًا إلى تشكيك علني بمستوى تصريح ساندرز في شرعية تمثيله للدولة.
هذا ما يفسّر لماذا جاء تصريح ساندرز بهذا الوضوح في هذا التوقيت تحديداً، وليس في أي لحظة سابقة من الحرب رغم استمرار الانتهاكات الأخرى منذ عام 2023.
إن كل المؤشرات تدل على أن التصريح ليس حالة فردية. فالاتحاد الأوروبي أكد في أبريل 2026 أن عملية مدنية مستقلة وتمثيلية هي وحدها القادرة على استعادة شرعية الدولة السودانية، وهو بيان سبق الكشف الكامل عن ملف السلاح الكيميائي لكنه مهّد الأرضية الخطابية له.
ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك كان قد تحدث في فبراير 2026 عن استخدام الجيش والدعم السريع أسلحة متفجرة في مناطق مأهولة دون تحذير.
لكن الفارق أن هذه المواقف السابقة بقيت في إطار انتقاد السلوك الميداني، بينما الانتقال إلى التشكيك العلني في التمثيل الشعبي والتفويض السياسي، وهو ما فعلته ساندرز، لم يظهر بهذا الوضوح إلا بعد أن اجتمعت ثلاثة تحقيقات مستقلة على ملف واحد في غضون أسبوعين. الانتهاكات التقليدية أنتجت إدانة؛ ملف السلاح الكيميائي هو ما بدأ ينتج تشكيكًا في الشرعية ذاتها.
الجيش يستطيع أن يقدّم نفسه كمؤسسة الدولة الشرعية التي تقاتل تمردًا مسلحًا، وهي حجة كان الجيش يسعى لترويجها دولياً بمساعدة بعض حلفاءه الدوليين طوال العامين الأولين من الحرب. لكن مؤسسة يُشتبه في امتلاكها واستخدامها برنامجًا كيميائيًا محظورًا دوليًا، وتُنقل عنها تفاصيل مثل موافقة قيادتها العليا على استخدامه ونقل وتوقيف ضباط بسبب هذا الملف، يصعب تقديمها أمام الرأي العام الدولي كحاملٍ طبيعي وحصري لشرعية الدولة السودانية.
وهذا بالضبط ما يبدو أن تصريح ساندرز يستهدفه، التساؤل عن أساس الشرعية السياسية للجيش في ظل تراكم اتهامات بلغت هذا المستوى من الخطورة.
إن الكشف المتراكم عن ملف الكيماوي هو ما دفع بالتشكيك في شرعية الجيش السوداني من هامش الخطاب الدولي إلى صدارته. فبينما كانت الانتهاكات “التقليدية” تُدار دوليًا كملف مساءلة موازٍ لاستمرار التعامل مع الجيش كطرف، فتح ملف السلاح الكيميائي بابًا مختلفًا تمامًا من التساؤل عما إذا كانت هذه المؤسسة أصلًا مؤهلة لتمثيل السودان سياسيًا. وهذا هو التحول الحقيقي الذي يعكسه تصريح ساندرز، وقد يتعمق أكثر إذا تأكدت اتهامات الاستخدام الفعلي للسلاح الكيميائي دوليًا في الأيام المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى