
استوقفتني النتائج الباهرة التي ظلت تحققها «مؤسسة دكتور أبوذر الكودة التعليمية» في امتحانات الشهادة بمختلف المراحل التعليمية في السودان، وكان آخرها نتيجة امتحان الشهادة الثانوية السودانية، التي جاءت فيها المؤسسة في مقدمة الركب، فيما أحرزت الطالبة «تقوى النور محمد» المرتبة الأولى على مستوى السودان، واستحقت تكريماً فخيماً من رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بيد أن النتيجة مهما كانت لافتة، لا تأتي من فراغ، والتفوق المستمر لا يمكن أن يكون مصادفة، وإنما هو ثمرة نهج وسياسات وبيئة تعليمية ظلت المؤسسة تعمل على بنائها طوال سنوات.
والواقع أن لسان التجربة يقول عندما تتكرر النتائج المتميزة، يصبح من الطبيعي البحث عما وراء الأرقام، فالمؤسسة لم تكتفِ بتقديم المناهج وإعداد الطلاب للامتحانات، وإنما عملت على بناء منظومة تعليمية تجمع بين التحصيل والانضباط والرعاية واكتشاف قدرات الطلاب، ولهذا يمكن النظر إلى التفوق المتواصل «لمؤسسة دكتور أبوذر الكودة التعليمية» باعتباره انعكاساً لسياسات تعليمية تراكمت عبر السنوات، وجعلت النجاح هدفاً دائماً لا مناسبة موسمية.
لقد برزت المؤسسة بصورة أكثر وضوحاً في مرحلة ما بعد الحرب، حين لم تتعامل مع آثار الحرب باعتبارها مشكلة تخص الطلاب وحدهم، ففي الوقت الذي فقد فيه كثير من السودانيين وظائفهم واستقرارهم، فتحت المؤسسة أبوابها أمام أعداد كبيرة من المعلمين والإداريين، وأسهمت في توفير فرص عمل حافظت على تماسك أسر وعائلات كانت مهددة بالتشتت والانهيار تحت ضغط الحرب، ولم يتوقف الأمر عند العاملين فيها، فقد اتخذت المؤسسة موقفاً إنسانياً تجاه أسر الشهداء، بإعفائها من الرسوم الدراسية، في خطوة تعكس فهماً أوسع لدور وطني واجتماعي ينبغي أن تضطلع به المؤسسة التعليمية، وهنا تبدو المدرسة أكبر من مبنى وفصول، لتكون مكاناً يحاول أن يحفظ للناس شيئاً من استقرارهم عندما تضطرب الحياة من حولهم.
ولأن التعليم لا يكتمل بالكتاب وحده، فقد أولت «مؤسسة دكتور أبوذر الكودة التعليمية» اهتماماً متعاظماً بالأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، وتأتي في هذا الصدد تجربة الكورال بوصفها واحدة من التجارب التي منحت الطلاب مساحة للتعبير والمشاركة والعمل الجماعي، فالأصوات المختلفة حين تجتمع في لحن واحد تعطي درساً آخر، ربما لا يوجد في أي كتاب، ذلك أن النجاح الجماعي يحتاج إلى تعاون الجميع، وفي ظروف الحرب وما خلفته من ضغوط نفسية واجتماعية، اكتسبت هذه الأنشطة قيمة إضافية، منحت الطلاب فرصة للفرح واكتشاف مواهبهم واستعادة شيء من الحياة الطبيعية.
ويبقى المعلم ركيزةً أساسية في بنيان «مؤسسة دكتور أبوذر الكودة التعليمية» ذلك أن وراء كل نتيجة كبيرة معلماً بذل جهداً، وطالباً اجتهد، وأسرة ساندت، وإدارة وفرت البيئة المناسبة، ولذلك فإن الحديث عن نجاح مؤسسة أبوذر الكودة لا ينبغي أن يتوقف عند أسماء المتفوقين، بل يمتد إلى المعلمين الذين يقفون خلف هذه النتائج، وإلى المنظومة التي جعلت التفوق يتكرر عاماً بعد آخر، فالمدرسة الناجحة ليست التي تنتج طالباً متفوقاً مرة واحدة، وإنما التي تستطيع أن تجعل التفوق ثقافة داخل بيئتها التعليمية، وهنا تكمن دلالة تجربة «مؤسسة دكتور أبوذر الكودة التعليمية» ورسالتها التي تقول: إن المدرسة يمكن أن تمنح الطالب أكثر من شهادة، يمكن أن تمنحه الثقة، والانتماء، والقدرة على مواجهة الحياة، ولذلك فإن وصف مؤسسة الكودة بالوطن الصغير ليس مبالغة، فقد جمعت المؤسسة في تجربتها بين التعليم، والإنسان، والمجتمع، وحاولت في أصعب الظروف أن تقول إن أبواب المدرسة يمكن أن تظل مفتوحة، حتى عندما تغلق الحرب أبواباً كثيرة.



