
محمد عثمان حضرة
📜في قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام وعبادتهم ذلك العجل الذهبي ، لم تكن المشكلة أن هؤلاء القوم لم يعرفوا الله‼️
بل كانوا يعرفون الله وهم قد رأوا بأعينهم آيات عظيمة…
رأوا البحر ينشق أمامهم.
ورأوا فرعون وجنوده يغرقون.
وشاهدوا من آيات الله ما يكفي لأن يستيقنوا أن الله هو ربهم.
عثمان حثم واعد الله موسى عليه السلام ثلاثين ليلةً وأتمّها بعشر، فغاب عن قومه أربعين ليلة…
فماذا حدث؟! 🧐
ظهر العجل‼️
وصار له صوت…
وصار له أتباع…
وصار له مبررون…
وصار له قوم يقولون:
﴿هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾‼️
وهنا تبدأ المفارقة السوداء التي تجعل قصة عجل بني إسرائيل ليست مجرد قصة تاريخية مضت وانتهت…
بل قصةً تتكرر في حياة البشر، بأشكال مختلفة، وفي أزمان مختلفة‼️
اليوم…
قد لا يصنع السوداني عجلاً من الذهب يعبده من دون الله.
ولا يضعه أمامه في البيت.
ولا يسجد له سجودًا حسيًا.
ولكنه قد يصنع لنفسه عجلًا بشريًا…
أو سياسيًا…
أو حزبيًا…
أو عسكريًا…
أو إعلاميًا…
أو رياضيًا…
أو فنيًا…
ثم يبدأ في طاعته طاعةً عمياء‼️
يقول له العجل:
🫵 «افعل»…
فيقول:
حاضر‼️
ويقول له:
🫵 «لا تصدق هذا»…
فيقول:
صدقت‼️
ويقول له:
🫵 «هذا خائن»…
فيقول:
خائن‼️
ثم يقول له:
«هذا وطني»…
فيقول:
وطني‼️
ويقول له:
«هذه هي الحقيقة»…
فيقول:
نعم، إنها الحقيقة‼️
وهكذا…
يصدّق عجله ويطيعه، دون أن يسأل نفسه سؤالًا صغيرًا جدًا:
🧐 هل هذا يُرضي الله؟!
وهكذا يصبح السؤال:
🛑 كم عجلًا عندنا في هذا السودان اليوم؟! 🤔
يبدو أن لدينا سوقًا كبيرًا للعجول‼️
كل حزب له عجله…
وكل جماعة لها عجلها…
وكل تيار له عجله…
وكل مجموعة وطائفة لها عجلها…
العجول في عصرنا الحاضر لم تعد تحتاج إلى الذهب حتى تلمع…
يكفي أن يكون لها منبر…
أو رتبة…
أو بندقية…
أو لقب…
أو ملايين المتابعين‼️
🛑 عجول التنظيمات والجماعات‼️
في أوساط ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض…
شاهدنا كيف يتحول بعض القادة والرموز إلى «عجل» لا يُسأل عن قوله…
ولا يُناقش فعله…
ولا يُراجع موقفه…
فقط لأنه أحد قادة جماعتنا‼️
ولو أخطأ هذا العجل…
لوجدوا له ألف تبرير.
ولو تناقضت مواقفه مع أوامر الله…
وجدوا له ألف تفسير.
ولو أخطأ في الدين…
قالوا:
لعله اجتهد‼️
ولو أخطأ عمدًا في السياسة…
قالوا:
الظروف تقتضي ذلك‼️
ولو أخطأ في الحرب، وارتُكبت باسمه أو تحت رايته المجازر والجرائم…
قالوا:
إنها المعركة مع الباطل‼️
ولو أخطأ في أفعاله…
قالوا:
المصلحة العامة‼️
وهكذا…
يصبح العجل معصومًا من النقد…
والناقد له:
🫵 خائنٌ… ومحاربٌ لله ورسوله‼️
🛑 عجول الحرب… حين تصبح البندقية فوق السؤال‼️
في مشهد حرب السودان، ظهرت أسماء وتشكيلات وشخصيات ارتبطت في أذهان بعض أنصار التيار الإسلامي أو معسكر الحرب بصورة «الرمز الذي لا يُناقش»…
مثل قائد ميليشيا البراء بن مالك…
وبعض أعضاء ميليشيا الضباحين…
والعمل الخاص…
وغيرها من التشكيلات التي ترفع شعارات مثل «أمن يا جن»…
وغيرها من الشعارات التي أصبحت عند بعض الناس فوق مستوى السؤال والنقد‼️
ولا يعني ذلك أن كل من ينتمي إلى هذه التشكيلات أو يتابعها يعبدها من دون الله…
ولا أن كل فرد فيها يحمل الموقف نفسه.
لكن السؤال هنا عن الآلية النفسية:
ماذا يحدث عندما يتحول التنظيم من وسيلة إلى غاية؟!
وماذا يحدث عندما يتحول الرمز والقائد من إنسان يُخطئ ويصيب…
إلى عجل لا يجوز إساءة الظن به أو انتقاده؟!
🛑 عجول السوشيال ميديا‼️ 😂
وهنا…
دخل العجل عصر التكنولوجيا‼️
لم يعد يحتاج إلى سامري يجمع الذهب…
بل يكفيه هاتف محمول…
وصفحة على فيسبوك…
وميكروفون…
وبعض المتابعين‼️
وهكذا أصبح المدعو الإنصرافي، عند بعض أنصار الحرب، عجلًا عظيمًا جدًا…
وكذلك صار ذو النون عجلًا…
وأبو رهف عجلًا هجينًا…
بل إن بعض رويبضات السوشيال ميديا، وبعض «القونات»، تحولوا إلى مراجع سياسية وأخلاقية وعسكرية واستراتيجية‼️
تقول الشخصية من هؤلاء هراءً…
فيُصدَّق.
وتشتم شخصًا…
فيُشتم.
وتمدح شخصًا…
فيُصفَّق له.
وتتهم شخصًا…
فتنتشر التهمة كأنها وحيٌ منزل‼️
يا سبحان الله‼️
لقد تطورت نسخة العجل في السودان تطورًا مذهلًا‼️
عجل بني إسرائيل كان يصدر صوتًا وخوارًا…
أما عجلنا الحديث فيصدر لايفات وتغريدات‼️
عجل بني إسرائيل كان يحتاج إلى إصدار صوت حتى يسمعه قومه…
أما عجلنا اليوم، فله ملايين المتابعين الذين يُصدرون الأصوات نيابةً عنه‼️
والناس باتوا لا يسألون:
ماذا يقول هذا العجل؟!
بل يسألون:
كم عدد متابعيه؟!
🛑 عجول الحرب ليست كلها إعلامية‼️
فهناك من جعل قائد الجيش عجله…
فكل ما يقوله حق، لأنه قد قاله.
وهناك من جعل قائد الدعم السريع عجله…
وكل ما يقوله أحق أن يُتّبع، لأنه قد قاله.
وهناك من جعل قادة الحركات المسلحة في دارفور عجوله…
وهناك من جعل شيبة ضرار والناظر ترك عجله…
ومن أهل الجزيرة والبطانة وشرق النيل من جعل أبا عاقلة كيكل عجله…
والبعض جعل الشكري عجله…
وبعض أهل الولايات جعل التوم هجو عجله…
والبعض الآخر جعل الجاكومي عجله…
مثلما جعل بعضهم ابن الميرغني عجله…
وآخرون جعلوا ابن المهدي عجله…
وهكذا…
تتعدد العجول…
وتظل قصة السامري تتكرر عبر الزمن‼️
🛑 هل يعني ذلك أننا نعبد هؤلاء؟! 🤔
قد يقول قائل:
لكنني لا أعبد عجولي هؤلاء‼️
وأقول:
صحيح.
فلا ينبغي أن نخلط بين العبادة بمعناها الشرعي، وبين هذا الاستخدام المجازي لكلمة «العجل».
فالمقصود هنا ليس السجود لهم، ولا اعتقاد ألوهيتهم.
إنما المقصود:
أن تجعل إنسانًا…
أو جماعة…
أو حزبًا…
أو قائدًا…
أو شيخًا…
فوق السؤال والمراجعة والدليل‼️
أن ترى الحق من خلاله…
بدل أن تراه هو من خلال الحق.
وهذه هي المشكلة الكبرى‼️
بعض الناس إذا تربّى داخل حزب أو طائفة أو جماعة إسلامية، فإنه مع مرور الزمن قد يصل إلى مرحلة يرى فيها الإسلام من خلال جماعته…
بدل أن يرى جماعته من خلال الإسلام‼️
وهكذا يولد العجل‼️
وهذا الأمر قديم جدًا في السودان، وقد يُبتلى به بعض الصالحين أيضًا.
فقد رأيناه يحدث مع بعض شيوخ الطرق الصوفية…
قد يصبح الشيخ عند بعض المريدين هو المرجع الشرعي النهائي.
رضا الشيخ هو مقياس رضوان الله…
وغضبه هو المقياس…
وقوله هو المقياس…
حتى إذا تعارض قول الشيخ مع الدليل الشرعي من القرآن والسنة…
دأ المريد التابع يبحث عن تأويل يحفظ للشيخ مكانته‼️
🫵 وهنا ينبغي علينا جميعًا أن نتذكر:
الشيخ ليس نبيًا.
والقائد ليس نبيًا.
والسياسي ليس نبيًا.
والعسكري ليس نبيًا.
والصحفي أو المؤثر ليس نبيًا.
والجماعة ليست دينًا.
والحزب ليس عقيدة.
والتنظيم ليس قرآنًا.
والعجل…
مهما كان اسمه ووظيفته…
يظل عجلًا‼️
🛑 متى تبدأ المشكلة الحقيقية؟!
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان قائد أو شيخ أو جماعة أو رأي…
المشكلة تبدأ عندما يتوقف العقل عن السؤال…
ويتوقف القلب عن مراقبة الله…
ويصبح الولاء أقوى من الحق…
وتصبح الجماعة أهم من المبدأ…
ويصبح الانتماء أقوى من القرآن والسنة والعدل‼️
وهكذا نفهم لماذا كانت قصة العجل في القرآن عظيمة الخطورة…
لأن الإنسان قد يرى الحق…
ثم يتركه.
وقد يعرف الصواب…
ثم يخالفه.
وقد يكون بين يديه كتاب الله…
ثم يبحث عن الحقيقة عند شخص آخر‼️
ولذلك…
قبل أن نسخر من الذين عبدوا العجل من بني إسرائيل…
علينا أن نتوقف قليلًا. 🧐
ونسأل أنفسنا:
من هو عجلي أنا؟!
من الشخص الذي لا أقبل أن أسمع فيه نقدًا؟!
من الجماعة التي أبرر لها كل شيء؟!
من الشيخ الذي أقدّم رضاه على رضا الله؟!
من القائد الذي أصدّق كلامه قبل أن أسأل عن دليله؟!
من السياسي الذي إذا أخطأ قلت:
لا بد أن عنده حكمة‼️
ومن الإعلامي الذي إذا قال شيئًا قلته بعده دون أن أفكر؟!
🫵 لقد أصاب…
🛑 العجل الذي يسكن عقولنا‼️
ربما لا يوجد عجل من ذهب في بيوتنا…
ولكن ربما يوجد عجل من بشر في عقولنا‼️
وربما أننا لا نسجد لذلك العجل…
لكننا نفعل شيئًا خطيرًا على عقولنا:
🫵 نتركه يفكر نيابةً عنا، ويقرر ويختار لنا مواقفنا‼️
ولعل أخطر صورة من صور «عبادة العجل» في زماننا…
أن يعرف الإنسان أن الحق مع غير جماعته…
ثم يرفضه فقط لأن العجل الذي اختار عبادته لا يسمح له بذلك‼️
أن يعرف أن قائده أخطأ…
ثم يبحث عن ألف عذر لخطئه.
أن يرى الباطل واضحًا…
ثم يسميه مصلحة.
أن يرى الظلم…
ثم يسميه ضرورة.
أن يرى الجريمة…
ثم يسميها معركة مع الباطل‼️
أن يعرف الحق…
ثم يسأل أولًا:
ماذا قالت جماعتنا عنه؟!
🛑 هنا لا يكون العجل خارجك فقط…
بل يكون قد دخل إلى عقلك‼️
ولذلك…
🫵 لا تبحث عن العجل الذي يعبده الآخرون…
بل ابحث أولًا عن العجل الذي قد يكون في داخلك أنت‼️
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭21 سبتمبر 2026



