
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
كأي مواطن سوداني، يهمني كثيراً أن تكون سيادة وطني أعلى من خاطر الدنيا كلها، فبصرف النظر عن اتفاقي مع السلطة الحاكمة حالياً أو اختلافي معها، وهو حق مشروع لأي مواطن آمن بحب وطنه، فإنني أقولها بصدق: ليس ما يدفعني إلى السرور أو الشماتة أن أسمع، بكل مرارة، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد رفضت إعطاء رأس سلطة الأمر الواقع في بلادنا تأشيرة دخول للسفر إلى أراضيها، ومنعه بالتالي من مخاطبة العالم عبر منصة المنظمة الدولية، وطرح ما رشح في تسريبات صحفية أجنبية عن مبادرة لإحلال السلام في البلاد، بإعلان وقف إطلاق النار من جانب الحكومة وجيشها لمدة تسعين يوماً أو نحو ذلك، تعقبها ترتيبات لاحقة وخطوات أخرى تتعلق بتنظيم الجيش على أسس جديدة، وبالتالي التمهيد لانطلاقة فترة انتقالية تفضي إلى حكم مدني عبر انتخابات عامة.
فالرفض الأمريكي، في تقديري، لا يمس شخص رأس النظام في حد ذاته، وإنما يطعن في كرامة الوطن، ويشي بتصنيفه في قائمة غير محمودة السيرة، إن هي صدقت نوايا أمريكا أو كذبت!
ولكن، بالعودة إلى المبادرة، إن صحت هذه التسريبات، فهي تلامس حقيقة لبّ ما يبحث عنه الشعب السوداني الذي ضاق بهذه الحرب، مهما تجلت مظاهر الانقسام تجاهها، ما بين مؤيد ومعارض، لا سيما أن تداعيات هذه الحرب قد تجاوزت نخر لحم المواطن المسكين، على رهافته، وطفقت تهشم عظامه الهشة أصلاً.
ولعل الأزمة الاقتصادية، المتمثلة في احتراق قيمة الجنيه في لهيب حرب الدولار، قد مثلت ذروة ذلك المساس بمعيشة المواطن في أساسياتها الدنيا.
غير أنه، وبغض النظر عن سلامة الموقف الأمريكي الانتقائي في مسألة إعطاء التأشيرة لهذه الجهة ومنعها عن تلك، كجهات سياسية أو أفراد، فإن تلك المبادرة التي تحدثت عنها الأنباء كان من المفروض أن تعلن بصورة واضحة وعلنية ورسمية من الداخل، لاستخلاص الرأي الشعبي حيالها، بغرض حصولها على تأشيرة الرضاء الداخلي أولاً.
وساعتها ستلفت نظر الخارج قسراً، متى ما كانت تلبي المصلحة العليا للبلاد وشعبها، وذلك هو الأهم.
وكان هذا سيمهد لحصولها على تأشيرة الخارج، سواء عبر نيويورك أو أي منابر أخرى.
ولعل أبلغ مثال في هذا الصدد أن المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس من قبل، وعبر منبر منظمة الأمم المتحدة ذاتها، لم يتجاوز صداها تلك المنصة بالكاد، والسبب بكل بساطة أنها كانت قد تخطت الداخل مشرئبةً مباشرة إلى البحث عن رضاء الخارج.
وهو درس كان ينبغي أن يستفيد منه القائد البرهان، قبل أن يفكر بذات طريقة النظر إلى خاطر الخارج أولاً، تخطياً لمشورة الداخل الذي يمثل التأشيرة الأكثر أهمية من الانشغال بتأشيرة نيويورك أو أي مكان آخر!
والله من وراء القصد .



