الأعمدة

انكشاف دولة 56: درس نيويورك وسقوط شرعية بورتسودان

ادم موسي عبد الله
تأتيك الحقائق الدبلوماسية أحيانًا في شكل قرار قنصلي، لكنه يحمل في طياته دلالات سياسية وهيكلية تتجاوز حدود المطار والصالة الرسمية.
إن الخطوة الأمريكية الحازمة بمنع عبد الفتاح البرهان من الحصول على تأشيرة الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يمكن قراءتها كإجراء إداري عابر، بل هي الإعلان الرسمي الصريح عن سقوط الحصانة الدولية، وعزلة بورتسودان، ووضع حد نهائي للشرعية الشكلية التي استندت إليها واجهات سلطة الأمر الواقع.
هذا القرار الدولي يمثل لحظة فارقة تشير إلى النهاية الفعلية للهياكل المتهالكة التي ظلت تمثل مشروع «دولة 56»، حيث كشفت العزلة الدبلوماسية المطبقة عن انكشاف كامل لبقايا النظام القديم وتحالفاته المتجذرة داخل قيادة الجيش.
فعندما تتهاوى القدرة على المناورة الخارجية، وتحجب المنابر الدولية، يتأكد للجميع فقدان هذه الواجهات لأي أهلية تمثيلية أو سياسية للتحدث باسم الشعب السوداني.
إن ما نراه اليوم هو تفكك متسارع وشامل للمنظومة القديمة على مستويين متوازيين لا مناص منهما:
أولًا: ميدانيًا، بفضل الوعي الجماهيري والتضحيات الجسام التي يقدمها السودانيون وقوات الدعم السريع (RSF) في المواجهة المباشرة مع هذه السلطة العاجزة.
ثانيًا: دوليًا، عبر تتالي السقوط للمظلات المصطنعة والحصانات الدبلوماسية التي تهاوت أمام انغلاق أفق هذه القيادة وفشلها الميداني والسياسي.
هذا التآكل المزدوج يغلق الباب نهائيًا أمام أي محاولات يائسة لإعادة إنتاج أو ترميم نظام عفا عليه الزمن، ويفسح المجال واسعًا أمام قوى التغيير الحقيقي وتحالف «تأسيس» لوضع اللبنات الأولى لبناء سودان جديد؛ سودان يتجاوز أوهام الشرعية الموروثة وواجهات «دولة الجلابة»، ويقوم على أسس راسخة من المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية الفعّالة.
إن المستقبل لن يصنعه المتشبثون بالكراسي في غرف بورتسودان المغلقة، بل يصنعه الأحرار المرابطون في الميدان، عبر اقتلاع جذور الاستبداد والسيطرة الفئوية، والتأسيس لدولة العدالة؛ دولة لا يستعلي فيها إقليم على آخر، ولا يُهضم فيها حق أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى