عودة للحديث حول اعتبار حكومة البرهان غير شرعية: نحتاج أن نكون أكثر وعياً وأن نحارب الذباب الإلكتروني الكيزاني

بقلم/ إيهاب الأمين
كتبت مقالاً عن القرار الذي اتخذته الحكومة الأمريكية عن اعتبار حكومة البرهان غير شرعية وعن رفض منحه تأشيرة دخول للولاية المتحدة، ومن خلال إطلاعي على التعليقات على المقال وهي في معظمها يكتبها الذباب الإلكتروني الكيزاني والرجرجة والدهماء والجهلة من عامة ابناء شعبنا والذي يحزننا أن خمس وثلاثين سنة من الحكم الكيزاني أوصلته إلى هذه المرحلة من الوعي. لم يناقش المعلقون على المقال المشكلة ولا أضرارها ولا ما سيترتب عليها أو ما سوف يحدث أو قد يحدث بل اتجهوا إلى شتمي والإساءة إلىّ كالعادة واتهامي بالعمالة وما شابه مما يؤكد حديثي حول محاولات الكيزان المستمرة لتجهيل الشعب مع تماهي البعض مع هذا الاتجاه وترديد نفس ما يقوله الكيزان بالانشغال بالإساءة إليّ وكيل الاتهام، وهذا لا يعني أن كل المعلقين كانوا كذلك بل كان هنالك بعض من يمتلكون الوعي وحاولوا مناقشة الموضوع بعقلانية سواء إن اتفقوا معي أو لم يتفقوا.
علينا أن نعي أن القرار الأمريكي الأخير بمنع الفريق عبد الفتاح البرهان من دخول الولايات المتحدة ورفض منحه تأشيرة دخول إلى جانب التصنيف الرسمي له ولحكومته بصفتهما غير شرعيين يمثل نقطة تحول جوهرية في المشهد السوداني ويحمل في طياته تداعيات عميقة ومتشعبة تمس بنية الدولة السودانية وموقعها الإقليمي والدولي كما يمس مباشرة مستقبل الحاكم الحالي ومسار الحكم في البلاد.
إن الضرر الأول والأكثر مباشرة الذي سيلحق بالبرهان وحكومته يتمثل في العزلة الدبلوماسية الكاملة فالتصنيف بعدم الشرعية ليس مجرد إجراء شكلي بل هو إغلاق للأبواب الرسمية أمام أي تعامل مع مؤسسات الدولة السودانية على المستوى الأمريكي مما يعني توقف قنوات الحوار المباشر وإيقاف أي مساعدات أو برامج تنموية أو أمنية كانت تمر عبر الحكومة المركزية كما أن هذا القرار يفتح الباب أمام تجميد الأرصدة البنكية الخاصة بالبرهان والقيادات المرتبطة به في المنظومة المالية الأمريكية وفرض قيود على أي تعاملات مالية معهم عبر البنوك الدولية التي تخضع للرقابة الأمريكية وهو ما سيضيق الخناق المالي على النخبة الحاكمة ويحد من قدرتها على إدارة شؤون الدولة أو حتى الحفاظ على شبكة تحالفاتها الداخلية.
وعلى الصعيد الشخصي فإن منع البرهان من دخول أمريكا يعني فقدان آخر ورقة ضغط كانت بحوزته وهي إمكانية التفاوض المباشر مع صناع القرار في واشنطون فحتى في أحلك مراحل الأزمة السودانية كانت قنوات التواصل غير المباشر مفتوحة أما الآن فقد أصبح البرهان في موقف المحاصر الذي لا يملك سوى خيارات محدودة إما الرضوخ لشروط الانتقال السياسي التي تطرحها الوساطات الإقليمية والدولية أو المضي في مسار الانكفاء الداخلي الذي يعني تحويل السودان إلى دولة منبوذة دولياً وهو ما سيكلفه شخصياً فقدان أي رصيد أخلاقي أو سياسي يمكن أن يستند إليه في أي تسوية مستقبلية.
أما الضرر الذي سيقع على الشعب السوداني فهو الأعمق والأكثر استدامة فالشعب السوداني يعيش أصلاً تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة وحرب مدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت ملايين المواطنين والقرار الأمريكي الجديد سيزيد من تعقيد هذه الأزمة فالحكومة المصنفة بعدم الشرعية ستفقد قدرتها على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مما يعني إغلاق أي نافذة للحصول على قروض أو مساعدات إنسانية أو برامج إصلاح اقتصادي كما أن القطاع الخاص السوداني سيفقد قدرته على التبادل التجاري مع الشركات الأمريكية أو حتى الشركات الدولية التي تخشى الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية الثانوية وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية وعلى قدرة الدولة على استيراد الدواء والوقود والقمح.
كما أن القرار الأمريكي سيؤثر على مسار المساعدات الإنسانية فمع تصنيف الحكومة بعدم الشرعية ستصبح قنوات إيصال المساعدات عبر المؤسسات الرسمية معقدة ومحفوفة بالمخاطر القانونية مما يعني أن ملايين النازحين واللاجئين في دارفور والخرطوم والجزيرة وكسلا سيعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء وهو ما قد يفتح الباب أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة في منطقة القرن الأفريقي.
وعلى المستوى الأمني فإن العزلة الدولية للبرهان قد تدفعه إلى البحث عن بدائل تحميه وهذا يعني الانفتاح أكثر على قوى إقليمية ودولية لا تشترط الالتزام بالمعايير الديمقراطية أو بحقوق الإنسان وهو ما قد يؤدي إلى تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وإلى زيادة انتشار الميليشيات والسلاح وتعميق الانقسام الداخلي بل وقد يدفع بعض الأطراف داخل الحكومة إلى التشدد والمضي في خيارات عسكرية أكثر خطورة ظناً منهم أن ذلك هو السبيل الوحيد للبقاء. أما ما سيحدث بالفعل في المدى القريب فهو تصاعد الاحتقان الداخلي ففصائل المقاومة المدنية والقوى السياسية ستعتبر هذا القرار انتصاراً لمطالبها وستزيد من ضغطها على البرهان للموافقة على الانتقال المدني الكامل بينما سترى الأجنحة العسكرية والأمنية في القرار تهديداً مباشراً لبقائها مما قد يؤدي إلى انشقاقات داخل المعسكر الحاكم وإلى محاولات يائسة من بعض القيادات لإعادة تموضعها عبر التفاوض المنفرد مع الوساطات الإقليمية كما أن قوى الدعم السريع وحلفاءها سيجدون في هذا القرار ما يعزز موقفهم التفاوضي مما قد يطيل أمد الحرب أو يعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية على الأرض.
وفي المدى المتوسط فإن السودان سيدخل في مرحلة من الفراغ الدستوري والسياسي المعقد فالحكومة المصنفة بعدم الشرعية ستفقد شرعيتها الدولية لكنها ستبقى مسيطرة على الأرض بقوة السلاح وهذا التناقض بين الشرعية الدولية والواقع الميداني سيخلق حالة من الفوضى الإدارية والقانونية حيث لن تكون هناك جهة واحدة معترف بها لتمثيل السودان في المحافل الدولية مما يعني فقدان السودان لصوته في الأمم المتحدة وفي الاتحاد الأفريقي وفي جامعة الدول العربية وهو ما سيفتح الباب أمام تدخلات خارجية مباشرة في شؤون البلاد وقد يؤدي إلى تقسيم فعلي للنفوذ بين قوى إقليمية مختلفة أما ما يتوقع أن يحدث في المدى البعيد فهو أن هذا القرار قد يكون بداية نهاية مرحلة البرهان السياسية فالتاريخ السياسي السوداني يشهد أن أي حاكم يفقد الشرعية الدولية والإقليمية معاً لا يستطيع البقاء طويلاً خاصة في بلد منقسم وممزق مثل السودان ومن المرجح أن نرى خلال الأشهر القادمة إما تسوية سياسية تقود إلى انتقال مدني حقيقي – وهذا ما نتمناه – أو مزيداً من التفكك المؤسسي الذي قد يصل إلى حد انهيار الدولة المركزية وهو السيناريو الأخطر الذي يهدد ليس فقط السودان بل كل دول الجوار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
إن القرار الأمريكي في جوهره رسالة واضحة إلى كل الأطراف السودانية بأن البقاء في السلطة عبر الانقلابات وعبر الحروب لم يعد مقبولاً دولياً وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا على شرعية شعبية ودستورية واضحة لكن تنفيذ هذه الرسالة على أرض الواقع يتطلب أكثر من مجرد قرارات عقابية فهو يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تدعم التحول الديمقراطي وتساعد في بناء مؤسسات دولة مدنية وتوفر الحماية للشعب السوداني الذي دفع ولا يزال يدفع ثمن أخطاء النخب العسكرية والسياسية على مدى عقود طويلة.
لكل هذا فإن الضرر الأكبر الذي سيخلفه هذا القرار ليس على البرهان شخصياً أو على حكومته المصنفة بعدم الشرعية بل على الشعب السوداني الذي ينتظر منذ سنوات أن يرى بلده يعود إلى مسار الديمقراطية والسلام وأن يتحصل على التنمية والرخاء فإذا لم يُترجم هذا القرار إلى خطوات عملية تدعم التحول المدني وتدعم القوى الديمقراطية السودانية فإنه سيبقى مجرد إجراء رمزي لن يغير من الواقع شيئاً بل قد يزيد من معاناة المواطنين العاديين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون في بلد تحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.



