الأعمدة

الضريبة قبل الدين: قراءة فقهية في ارتفاع الدين العالمي إلى 365.5 تريليون دولار

بقلم د/ حسام راضي أحمد عبد الباقي
بلغ الدين العالمي 365.5 تريليون دولار في النصف الأول من عام 2026، ولا يصح قراءة هذا الرقم بوصفه مجرد أزمة سيولة عابرة أو تقلبًا دوريًا في الأسواق؛ فهو، في جوهره، يعكس اختلالًا بنيويًا في العلاقة بين الإنفاق العام والإيراد السيادي، وعَرَضًا لخلل أعمق في فلسفة التمويل العام ذاتها.
وحين يتضخم الدين على هذا النحو، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الفقه الضريبي ليس: كم اقترضت الدول؟ وإنما: لماذا لم تستوفِ الدولة حقها من الوعاء الضريبي قبل أن تلجأ إلى الاقتراض؟
والدين العام، في التكييف الفقهي الضريبي، يمثل ضريبة مؤجلة تتحملها الأجيال القادمة دون رضاها. وهذا التكييف ليس توصيفًا اقتصاديًا محضًا، بل يمس بصورة مباشرة مبدأ رضائية الضريبة الذي قامت عليه الدساتير الحديثة، ومبدأ الشرعية الضريبية الذي لا تُفرض بمقتضاه ضريبة إلا بقانون يقرّه ممثلو الأمة. فالمكلف الحاضر يملك أن يعترض ويحاسب ويراجع، بينما تتحمل الأجيال القادمة أعباء قرارات مالية لم تشارك في اتخاذها.
والدولة التي تلجأ إلى الاقتراض قبل أن تستوفي حقها من وعاء ضريبي كفء وعادل، تتحول من سلطة تشريع وتحصيل إلى سلطة استدانة، وتنقل العبء من جيل يملك أن يدافع عن نفسه إلى جيل لم يولد بعد.
ويتآكل هذا الوعاء لأسباب معلومة لا تخفى على المشتغل بالتشريع الضريبي؛ من بينها إعفاءات غير منضبطة تتراكم عامًا بعد عام حتى تصبح هي الأصل، وحوافز تُمنح دون ضوابط الضرورة والتناسب أو تقييم دوري لجدواها، وتجنب ضريبي دولي تنتقل بموجبه الأرباح إلى حيث لا تُستوفى عنها الضريبة، فضلًا عن قصور تشريعي في استيعاب الاقتصاد الرقمي والأصول غير الملموسة التي باتت تُنتج القيمة خارج المفاهيم التقليدية للمنشأة الدائمة.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع مكافحة تآكل الوعاء ونقل الأرباح (BEPS) والحد الأدنى العالمي للضريبة، باعتبارهما استردادًا للحق السيادي في الاستيفاء، لا مجرد ترتيبات فنية بين الإدارات الضريبية.
فالسيادة الضريبية التي تعجز عن حماية وعائها تعجز، بالضرورة، عن ضبط مديونيتها.
وفي التجربة المصرية، يظل السؤال قائمًا حول مدى قدرة الإطار التشريعي، وفي مقدمته قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020، على أداء وظيفة ضابطة للدين. ولا يُقاس ذلك بعدد النصوص ولا بحجم الإصلاح المعلن، وإنما بقياس أثر التوسع في الحوافز والإعفاءات على الإيراد العام، ومدى ما تبتلعه تكلفة خدمة الدين من هذا الإيراد قبل أن يبلغ الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية الأساسية.
غير أن الضريبة ليست علاجًا منفردًا للمديونية؛ فالإفراط في العبء الضريبي قد يقوّض النمو والوعاء معًا، ويدفع بعض المكلفين إلى التهرب أو الهجرة أو اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي. ومن ثم، فإن الانضباط في الدين لا يتحقق إلا بعدالة في الوعاء تُحمّل كل مكلف بقدر قدرته، وكفاءة في الإدارة تُقلل كلفة التحصيل وتغلق منافذ التجنب، وصياغة تشريعية محكمة تُخضع الإعفاء لضوابط الضرورة والتناسب، وبمنهج فقهي ضريبي متخصص يجعل من الضريبة أصلًا سابقًا على الاقتراض، لا بمنهج وصفي شارح يكتفي بتسجيل الأرقام دون مساءلة أسبابها.
وخلاصة القول، إن الدين العالمي في رقمه الأخير ليس قدرًا اقتصاديًا، بل نتيجة اختيارات تشريعية ومالية متراكمة، وإن أي معالجة جادة له تبدأ من الوعاء الضريبي قبل سوق السندات.

زر الذهاب إلى الأعلى