
#روما،✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في ليلة روما، على أرضية الملعب الأولمبي، كان المشهد مألوفا حتى القرف. #إيطاليا تخسر على أرضها. إيطاليا تسقط بهدفين دون رد أمام بلجيكا. ليس في مباراة ودية، بل في افتتاح مشوارها بدوري الأمم الأوروبية، ضمن المجموعة الأولى التي تضم أيضا فرنسا وتركيا.
والمباراة نفسها لم تكن مفاجأة. بلجيكا وصلت إلى روما بمدرب جديد، الهولندي مارك فان بومل، لكنها لعبت كما لو أنها تعرف ملعبها. إيطاليا، في المقابل، لعبت كما لو أنها تتعرف على كرة القدم للمرة الأولى. ميكا غودتس افتتح التسجيل في الدقيقة العشرين، بعد خطأ في التمرير من المدافع الشاب رومانو، واختراق ساذج لمنطقة الجزاء. الهدف الثاني جاء في الدقيقة التاسعة والستين عن طريق البديل دودي لوكيباكيو، بتسديدة قوية من خارج المنطقة، بعد أن تُرك وحيدا.
وبين الهدفين، كان هناك فراغ. لا فكرة، لا هوية، لا روح. إيطاليا لم تسدد على المرمى في الشوط الأول. لم تصنع فرصة حقيقية واحدة. الحارس البلجيكي لامينس، الذي دخل المباراة كبديل للعملاق كورتوا، لم يُختبر حتى الدقيقة السابعة والأربعين، عندما تصدى بقدمه لتسديدة مويس كين. وقبل ذلك، كانت العارضة هي التي أنقذت بلجيكا من هدف إسبوزيتو. لكن حتى تلك الفرص كانت ومضات معزولة في ليل حالك.
ومانشيني وقف على الخط الجانبي، بملامح رجل يعرف أن الوقت لا يعمل لصالحه. عاد إلى المنتخب الإيطالي بعد ثلاث سنوات من الرحيل، بعد تجربة في السعودية، بعد أن وعد بأنه تعلم من أخطائه. لكنه في أول اختبار حقيقي، سقط. سقط كما سقط من قبل، كما سقط من قبله جاتوزو، وكما سيسقط من بعده. لأن المشكلة ليست في المدرب. المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
الاتحاد الذي يخشى النجاح
قبل أشهر من هذه المباراة، كان الاتحاد الإيطالي لكرة القدم على وشك تعيين أندريا بيرلو مدربا للمنتخب. كان المشروع واضحا. بيرلو، أسطورة المونديال 2006، سيتولى القيادة الفنية. باولو مالديني، أسطورة أخرى، سيكون المدير التقني. كان هناك حديث عن مشروع حقيقي، عن رؤية جديدة، عن إعادة بناء من الأساس.
ولكن المشروع انهار قبل أن يبدأ. رئيس الاتحاد جوفاني مالاغو قرر في اللحظات الأخيرة إيقاف تعيين بيرلو، بحجة ارتباطه الإعلاني بوكالة مراهنات روسية. مالديني وليوناردو استقالا بعد ستة عشر يوما فقط من توليهما منصبيهما. مالاغو خرج بعدها ليقول إنه لم يكن يعلم بأمر العقد الروسي، وإنه تصرف بشفافية كاملة، وإن الاستقالات كانت ودية.
ولكن الحقيقة أبسط من ذلك. الحقيقة أن مالاغو لم يكن يريد مالديني. لم يكن يريد بيرلو. لم يكن يريد أي مشروع حقيقي. لأنه يعرف أن المشروع الحقيقي يعني المحاسبة، يعني الشفافية، يعني الاعتراف بأن عشرين عاما من الفشل كانت نتيجة سوء إدارة، وليس سوء حظ.
وبدلا من ذلك، عاد إلى مانشيني. الرجل الذي رحل عن المنتخب في 2023 بطريقة غير لائقة، تاركا الفريق في منتصف الطريق، ليقبل عرضا سعوديا بمال وفير. مانشيني اعتذر، كما يقول مالاغو، لكن الاعتذار لا يصلح ما أفسده الزمن. الاعتذار لا يعيد الثقة لجماهير ملأت نصف الملعب الأولمبي، ثم غادرت قبل صافرة النهاية.
عشرون عاما من الخيبات
منذ تتويج إيطاليا #بكأس #العالم في 2006، لم تفز إيطاليا بأي لقب كبير باستثناء يورو 2020. ولم تتأهل لكأس العالم في 2018، ولا في 2022، ولا في 2026. ثلاث مشاركات متتالية بلا مونديال. لأول مرة في تاريخ منتخب فاز بأربعة كؤوس عالمية.
وفي زينيتسا، في مارس 2026، خرجت إيطاليا من الملحق الأوروبي أمام البوسنة والهرسك بركلات الترجيح. كانت تلك هي المرة الثالثة. كانت الصدمة أقل حدة هذه المرة، لأن الجرح أصبح قديما، ولأن الأمة تعلمت أن تتوقع الأسوأ.
جيانلويجي بوفون، الذي كان حارسا في فريق 2006، قال قبل أشهر: “اليوم نحصد نتائج عشرين عاما من قصر النظر. كنا نعتمد على كانافارو وتوتي، وكأنهم سيبقون إلى الأبد. كان يجب أن نعيد التفكير في النموذج التكتيكي منذ ذلك الحين، لكننا كنا قصيري النظر”.
اما تشيزاري برانديلي، مدرب إيطاليا في يورو 2012، كان أكثر وضوحا. قال: “لو كان لدينا موهبة مثل لامين يامال قبل عشر سنوات، كنا سنطردها. مدربونا كانوا سيغرقونه بالتعليمات التكتيكية حتى يفقد متعة اللعب”.
والمشكلة ليست في مانشيني. المشكلة في نظام كامل يرفض التغيير. في دوري يلعب فيه الأجانب بنسبة 67%، تاركين 33% فقط للاعبين الإيطاليين المؤهلين لتمثيل المنتخب. في اتحاد يخشى الكفاءات الشابة، ويفضل الأسماء الآمنة، والوجوه المألوفة، حتى لو كانت وجوه فشل.
العودة التي لم تكن عودة
مانشيني عاد، لكنه لم يعد. الرجل الذي قاد إيطاليا إلى لقب يورو 2020، إلى سلسلة 37 مباراة بلا خسارة، لم يعد موجودا. المدرب الذي كان يصرخ على الخط الجانبي، الذي كان يزرع الثقة في لاعبيه، بدا في روما وكأنه يبحث عن إجابات في دفتر قديم.
في المؤتمر الصحفي بعد المباراة، قال: “الشوط الأول كان دون المستوى. بلجيكا لعبت أفضل. في الشوط الثاني كنا جيدين حقا حتى استقبلنا الهدف الثاني. حظينا بأربع أو خمس فرص للتعادل، لكن بلجيكا منتخب قوي واستغل هفواتنا”.
ولكن الحقيقة أن إيطاليا لم تكن جيدة. لم تكن حتى مقبولة. كانت فريقا يبحث عن نفسه، بمدرب يبحث عن إجابات، باتحاد يبحث عن أعذار. والأسوأ من ذلك، أن الجماهير تعرف ذلك. صيحات الاستهجان التي انطلقت من المدرجات لم تكن موجهة إلى اللاعبين فقط. كانت موجهة إلى منظومة كاملة، إلى اتحاد يرفض الاعتراف بأن كرة القدم الإيطالية تحتاج ثورة، لا ترميما.
مانشيني قال إنه لا يعرف كم من الوقت تحتاج إيطاليا لتعود إلى القمة. لكن السؤال ليس عن الوقت. السؤال عن الإرادة. عن الشجاعة. عن الاعتراف بأن الماضي لا يلعب المباريات، وأن الأسماء الكبيرة على مقاعد البدلاء لا تسجل الأهداف.
إيطاليا لا تحتاج مدربا جديدا. إيطاليا لا تحتاج مانشيني، ولا جاتوزو، ولا سباليتي. #إيطاليا تحتاج أن تتصالح مع نفسها أولا. أن تعترف بأنها ليست إيطاليا التي فازت بأربعة كؤوس عالمية. أن تعترف بأنها فريق عادي، في مجموعة عادية، يخسر مباريات عادية، لأن نظامه أصبح عاديا.
وعندما تعترف بذلك، قد تبدأ رحلة العودة. لكن حتى ذلك الحين، ستبقى العودة إلى مانشيني مجرد فصل آخر في مسلسل طويل. فصل عنوانه: كيف دفنت إيطاليا كرة القدم بيد أبنائها.



