حين تتحول صلاة الجمعة إلى ديكور سياسي.. كيف صُنعت مسيرة البرهان؟
لم تعد الصورة وحدها كافية لإقناع الشارع السوداني.

ففي مشهد لافت عقب صلاة الجمعة اليوم، جرى استغلال لحظة خروج المصلين من أحد المساجد وتحويلها إلى ما بدا وكأنه حشد جماهيري مؤيد لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في محاولة لإنتاج صورة سياسية جاهزة للكاميرات، وإيصال رسالة بوجود تأييد شعبي واسع في الشارع.
وبحسب تفاصيل المشهد، أُغلقت عدة أبواب للمسجد، ودُفع المصلون إلى الخروج من منفذ واحد، ما أدى إلى تجمع أعداد كبيرة من المواطنين في مساحة محدودة. وفي تلك اللحظة، بدأ أشخاص بترديد هتافات مؤيدة للبرهان، بينما جرى توجيه الكاميرات نحو التجمع لالتقاط مشاهد يمكن تقديمها لاحقاً باعتبارها مسيرة شعبية عفوية.
لكن ما قد يبدو من خلف عدسة الكاميرا حشداً سياسياً، تبدو تفاصيله مختلفة تماماً لمن كان داخل المكان.
فالمصلون خرجوا من صلاة الجمعة، ولم يخرجوا بالضرورة إلى الشارع للتظاهر. وبين الأمرين مسافة كبيرة يعرفها المواطن السوداني جيداً.
المفارقة أن الشارع الذي يُراد صناعة صورة التأييد أمامه ليس شارعاً غافلاً. الناس تتابع، وتفهم، وتقرأ ما وراء الصورة، وتفرّق بين الحشد الذي يخرج بإرادته إلى الشارع، وبين تجمع يُستثمر فيه وجود المواطنين في مكان واحد لصناعة مشهد سياسي.
ولسنوات طويلة، ظل الشارع السوداني شاهداً على التظاهرات والحشود الحقيقية، ويعرف كيف تبدو المسيرة عندما تكون نابعة من موقف جماهيري، لا من ترتيب المشهد وتوجيه الكاميرا.
ومن هنا، فإن تحويل خروج المصلين إلى مادة سياسية لا يغيّر حقيقة المشهد بقدر ما يكشف حجم الرهان على الصورة في معركة الشرعية والحضور الجماهيري.
الشارع صاحي.
والناس اليوم أكثر وعياً بما يُعرض عليها، وأكثر قدرة على قراءة الصورة خارج إطارها، ومعرفة من خرج احتجاجاً، ومن خرج من المسجد، ومن حضر للهتاف، ومن جاء ليصنع لقطة.
في زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة كاميرات مفتوحة، لم يعد من السهل صناعة رواية واحدة من مشهد واحد. فالصورة التي تخرج من عدسة واحدة يمكن أن تقابلها عشرات الصور من زوايا أخرى، والشاهد الذي كان داخل المشهد يستطيع أن يروي ما حدث قبل أن تصل اللقطة إلى المنصات.
وفي النهاية، فإن المسيرة الحقيقية لا تحتاج إلى ديكور، والحشد الشعبي لا يحتاج إلى إخراج.
فالشارع حين يريد أن يتحدث، يعرف كيف يتحدث.
واليوم، يبدو أن الرسالة الأوضح ليست ما أرادت الكاميرات أن تُظهره، وإنما ما فهمه الناس من خلف الكاميرات.



