الأعمدة

وحدة السودان مستحيلة تحت القصف وإستمرار الحرب؟!

الباشا طبيق
الحرب في السودان تطول، ومع كل يوم تستمر فيه المعارك ويتسع خطاب الكراهية، لا تقترب البلاد من معالجة جذور الأزمة بقدر ما تقترب من الإنقسام الدائم.
سوريا واليمن وليبيا ليست مجرد أمثلة بعيدة؛ إنها إنذارات واضحة لما تفعله الحروب الطويلة بالدول والمجتمعات عندما تتحول المعركة من صراع سياسي إلى مشروع إقصاء وانتقام وتصفية حسابات على أساس الجهة والعرق والهوية.
ما يحدث تحت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان من إجراءات تستهدف المدنيين على أساس جهوي أو عنصري، وما يُعرف بـ«قانون الوجوه الغريبة»، وحرمان عشرات الآلاف من التلاميذ والطلاب من مواصلة تعليمهم وحُرمان الملايين من إستخراج اوراقهم الثبوتية، إلى جانب خطاب التحريض والكراهية والإصرار على الحسم العسكري كخيار وحيد؛ كل ذلك لا يحمي وحدة السودان، بل يهدم الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها هذه الوحدة.
لا يمكن أن تطلب من مواطن أن يؤمن بوحدة وطن يُعاقَب فيه بسبب جغرافيته أو هويته أو مكان إقامته. ولا يمكن أن تُبنى دولة موحدة فوق الإقصاء والتمييز والعقاب الجماعي.
والأخطر أن البعض يتعامل مع السودان وكأن الانتصار العسكري يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لكن حتى السيطرة على المدن والأرض لا تستطيع بالقوة وحدها أن تمحو المظالم، ولا أن تعيد الثقة، ولا أن تجعل ملايين السودانيين يقبلون العودة إلى واقع ما قبل الحرب.
الوحدة التي تُستخدم شعاراً في المنابر بينما يُنتج الواقع كل يوم مزيداً من الكراهية والانقسام ليست وحدة؛ إنها دعاية سياسية.
إذا استمرت الحرب بهذا النهج، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط في عدد القتلى والنازحين والدمار، بل في أن يكبر جيل كامل وهو يرى السودان منقسماً إلى «نحن» و«هم».
عندها لن يكون السؤال: من انتصر في الحرب؟
بل: هل بقي السودان الذي كان يعرفه الجميع؟
من يريد الحفاظ على وحدة السودان عليه أن يدافع عنها بالفعل، لا بالشعارات: حماية المدنيين، إنهاء خطاب الكراهية، رفض العقاب الجماعي، ضمان حق التعليم، والمساواة الكاملة بين السودانيين دون تمييز بسبب الجهة أو العرق أو الانتماء.
أما الاستمرار في الحرب، والإقصاء، والتحريض، واعتبار الانتصار العسكري بديلاً عن الإعتراف بجذورالأزمةالسودانية، فهو طريق قد يجعل وحدة السودان مجرد عبارة للاستهلاك السياسي، بينما يكون الانقسام قد أصبح حقيقة راسخة على الأرض وفي عقول الأجيال.
السودان لا يحتاج إلى من يفرض نفسه على الجميع؛ السودان يحتاج إلى دولة تجعل الجميع يشعرون أن هذا الوطن وطنهم.

زر الذهاب إلى الأعلى