الأخبار

السودان يجدد التمسك بإعلان جدة ويطرح الحوار الوطني وسط تصاعد الخلاف حول مستقبل الدولة

جددت الحكومة السودانية تمسكها بإنفاذ بنود إعلان جدة الموقع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في العام 2023، مؤكدة أن الحوار الوطني يمثل الطريق الأمثل لمعالجة الأزمة وإنهاء الحرب، في وقت تتزايد فيه الخلافات السياسية والعسكرية بشأن شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم.
وقال وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، خلال تقديمه خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الاثنين، إن الوصول إلى سلام شامل ودائم وعادل يتطلب وقف التدخلات الخارجية ووقف تدفق الأسلحة والذخائر والمرتزقة إلى السودان.
وأوضح أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، وإنما يجب أن يترافق مع ترتيبات أمنية وسياسية تمنع تجدد النزاع، وتعيد حصر السلاح في يد الدولة ومؤسساتها النظامية.
وشدد سالم على ضرورة تفكيك قوات الدعم السريع ونزع سلاحها، ووقف هجماتها على المدنيين والمدن والأعيان المدنية والبنى التحتية والسدود والمراكز الطبية والمستشفيات، معتبراً أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة يمثل عقبة أمام بناء سلام مستدام.
إعلان جدة في صدارة المشهد
ويعيد الموقف الحكومي إعلان جدة إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيعه، باعتباره أحد الأطر التي تضمنت التزامات بشأن حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية واحترام المنشآت المدنية.
وتتمسك الخرطوم بأن تنفيذ هذه الالتزامات يجب أن يكون مدخلاً لوقف الحرب، فيما لا يزال الخلاف قائماً حول كيفية تنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية وماهية الجهة التي تملك حق حمل السلاح خلال المرحلة المقبلة.
من الحرب إلى سؤال شكل الدولة
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد النقاش حول مستقبل السودان نفسه، وليس فقط حول كيفية إنهاء العمليات العسكرية.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دفعت البلاد إلى واقع سياسي وعسكري شديد التعقيد، وأعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول علاقة المركز بالأقاليم، وتوزيع السلطة والثروة، وطبيعة الدولة التي يمكن أن تستوعب التعدد السياسي والاجتماعي والمناطقي في السودان.
وفي المقابل، تتمسك الحكومة السودانية بوحدة البلاد وسيادة مؤسسات الدولة، وترى أن معالجة الأزمة يجب أن تتم عبر عملية سياسية وحوار وطني، لا عبر ترتيبات تفرض من الخارج أو واقع عسكري دائم.
الأقاليم أمام مستقبل مختلف
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب وتعدد مراكز النفوذ العسكري والسياسي قد يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الحكم في السودان، بما في ذلك المطالب المتعلقة بتوسيع صلاحيات الأقاليم وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمناطق المختلفة.
ولا يعني هذا بالضرورة تحولاً فورياً نحو الانفصال، لكنه يعكس اتساع مساحة النقاش حول خيارات كانت لفترة طويلة خارج دائرة الطرح السياسي التقليدي، خصوصاً مع استمرار الحرب وتراجع الثقة بين عدد من المكونات السودانية ومؤسسات المركز.
وفي ظل هذا الواقع، بات شكل الدولة بعد الحرب واحداً من أبرز الملفات التي ستحدد مستقبل التسوية، إلى جانب قضايا تقاسم السلطة والثروة، والترتيبات الأمنية، وإعادة بناء الجيش والمؤسسات المدنية، وضمان تمثيل الأقاليم في مؤسسات الحكم.
الخرطوم: لا سلام دائماً مع السلاح خارج الدولة
وتؤكد الحكومة السودانية أن أي تسوية نهائية يجب أن تنتهي إلى جيش واحد ومؤسسات أمنية موحدة وسلاح تحت سلطة الدولة، مع رفض استمرار القوات المسلحة الموازية.
وتقول الخرطوم إن وقف الحرب دون معالجة هذه القضية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، ويفتح الباب أمام جولات جديدة من القتال أو ظهور مراكز قوة مسلحة داخل الدولة.
وفي المقابل، فإن طبيعة الترتيبات السياسية التي ستأتي بعد وقف القتال ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف السودانية على الوصول إلى صيغة جديدة للحكم تستوعب المطالب الإقليمية والسياسية والاجتماعية المتباينة.
الحوار الوطني في مواجهة مشاريع ما بعد الحرب
وتطرح الحكومة الحوار الوطني باعتباره المسار الذي يمكن من خلاله مناقشة مستقبل البلاد، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون سودانياً ويعالج جذور الأزمة وليس نتائجها العسكرية فقط.
ومع استمرار الحرب، يبدو أن النقاش المقبل لن يقتصر على سؤال من يسيطر على العاصمة أو المدن، بل سيمتد إلى سؤال أكبر: كيف تُدار الدولة السودانية بعد الحرب، وكيف يمكن إعادة بناء علاقة مستقرة بين المركز والأقاليم، وما الضمانات التي تمنع عودة الصراع مرة أخرى؟
وبينما تتمسك الحكومة بوحدة السودان ومؤسسات الدولة، فإن استمرار الحرب وتعدد مراكز القوة يعيدان تشكيل المشهد السياسي، ويفتحان الباب أمام نقاشات أوسع حول اللامركزية وصلاحيات الأقاليم وشكل الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي النهاية، يبقى تنفيذ إعلان جدة، ووقف التدخلات الخارجية، وحصر السلاح في يد الدولة، وإطلاق حوار سوداني شامل، من أبرز الملفات المطروحة على طاولة أي تسوية مستقبلية، في وقت يدخل فيه السودان مرحلة قد لا تعيد فقط رسم خريطة السلطة، وإنما قد تعيد تعريف شكل العلاقة بين المركز والأقاليم.

زر الذهاب إلى الأعلى