
بقلم/ إيهاب الأمين
انتشر في السنوات الأخيرة ما يُعرف بـنظام الطيبات الذي جاء به الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي فصُدّر على أنه منهج حياة يعيد توازن الجسم ويغني عن الأدوية لكن الحقائق العلمية والمصادر الطبية تكشف أن هذا النظام يرتكز على مغالطات جسيمة وتسببت توصياته في وفيات وإصابات خطيرة دفعت الجهات الصحية في دول عديدة لإصدار تحذيرات رسمية شديدة اللهجة منه.
من وجهة نظري الخاصة تمثلت الكارثة الأكبر في دعوة صاحب النظام مرضى السكري إلى التوقف عن تناول الإنسولين والسماح لهم بتناول السكريات بأي كمية، وقد استوقفني هذا الكلام لأنني مصاب بالسكري واستخدم الإنسولين هذا الادعاء يتعارض مع أبسط الحقائق الفسيولوجية فالإنسولين ليس خيارًا بل هو هرمون حيوي لا يمكن للجسم الاستغناء عنه وغيابه يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم بشكل قاتل وتطور حالة الحماض الكيتوني التي قد تؤدي إلى الوفاة في غضون أيام، وقد توفي مرضى بالفعل جراء توقفهم عن الإنسولين اتباعًا لهذه التوصية ودخل آخرون في غيبوبات سكرية وحالات فشل كلوي ما دفع وزارات الصحة في مصر والسعودية وتونس وغيرها إلى التحذير الرسمي من النظام ووصف الأطباء المتخصصون هذه الدعوة بأنها قتل عمد.
قام النظام على تصنيف مطلق للأطعمة بين طيبات وخبائث دون أي سند علمي مقبول فمنع البيض والألبان والبقوليات ومعظم الخضروات والفواكه بوصفها ضارة في حين أباح السكر المكرر والحلويات المصنعة والنوتيلا بلا قيود وهذا يعكس خللًا جوهريًا فالبيض والألبان والبقوليات والخضروات من المصادر الغذائية الأساسية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية وجميع الهيئات الغذائية الدولية بينما يُنصح بتقليل السكر المضاف إلى أدنى حد ممكن.
لقد شطبت نقابة الأطباء المصرية اسم الدكتور ضياء العوضي من سجلّ مزاولة المهنة وأوضحت في حيثيات قرارها أن ادعاءاته تخالف الإجماع الطبي والغذائي المستقر وأنه عمّم فرضيات محدودة على جميع الناس دون سند إكلينيكي معتمد ومنع المجلس الأعلى للإعلام بمصر تداول محتواه الصحي حفاظًا على السلامة.
إن أبرز ما يُسجّل على هذا النظام هو خروجه على أبسط قواعد البحث العلمي والطب المبني على البراهين فهو لم يُخضع أيًا من مزاعمه لدراسات علمية أو تجارب سريرية معتمدة بل اعتمد على الملاحظات الفردية والسرد القصصي كدليل على الفعالية ثم إنه تجاهل التنوع البيولوجي بين البشر، ففرض قائمة موحدة للممنوعات والمسموحات على الجميع على النقيض مما يقرّه علم التغذية الحديث من أن الغذاء يجب أن يتنوع ويُصاغ بحسب الفروق الفردية والحالات الصحية
كما تناقض النظام مع نفسه فمنع أطعمة طبيعية كاملة كالبيض والحليب بينما أباح منتجات مصنعة تحتوي على سكريات ودهون ومواد مضافة دون تقديم تبرير علمي مقنع لهذا التمييز.
إن ما يُعرف بـنظام الطيبات ليس منهجًا علميًا بل هو مجموعة من الاجتهادات الشخصية والمغالطات التي خالفت الإجماع الطبي وترتب على تطبيقها وفيات ومضاعفات خطيرة وتبقى القاعدة الذهبية التي لا يجوز التنازل عنها أنه لا يجوز لأحد أن يُوصيك بوقف دواء وصفه طبيبك خاصة الأدوية الحيوية كالإنسولين ولا أن يُعوّض العلاج المعتمد بنظام غذائي لم يثبت علميًا ولا إكلينيكيًا سلامته أو فاعليته فالغذاء الصحي ليس قائمة ممنوعات مطلقة ولا تصنيفًا أبديًا بين جيد وسيئ لكل الناس بل هو توازن وتنوع واعتدال يُستمد من الأدلة العلمية المتراكمة لا من اجتهادات فردية وتبقى دعوة الناس إلى التوقف عن علاجاتهم الحيوية جريمة لا يُغتفر وكذلك الترويج لها أو التغاضي عنها.



