
دخلت أزمة الوقود في السودان مرحلة جديدة خلال سبتمبر 2026، مع عودة الطوابير الطويلة أمام محطات الخدمة في الخرطوم وعدد من الولايات، وارتفاع أسعار البنزين والجازولين في المحطات والأسواق الموازية. وفي الوقت الذي تنفي فيه وزارة الطاقة والنفط التابعة لسلطة بورتسودان وجود نقص في الإمدادات، تظهر الأسعار وحالة المحطات اتساع فجوة الوقود بين الكميات المتاحة واحتياجات السوق.
في 30 سبتمبر، وصلت الأزمة إلى مستوى دفع سلطة بورتسودان إلى إصدار توجيهات بضخ كميات إضافية من المشتقات النفطية وتسريع عمليات التوزيع. وجاءت التوجيهات بعد أيام من عودة الطوابير إلى العاصمة، فيما اضطر بعض أصحاب السيارات إلى الانتظار لساعات طويلة، أو المبيت أمام المحطات للحصول على الوقود.
لكن الأزمة لم تبدأ في 30 سبتمبر.
في 13 سبتمبر، كانت الطوابير قد عادت إلى محطات الخرطوم وعدد من الولايات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الوقود نتيجة عودة أعداد من السكان إلى العاصمة واستئناف النشاط التجاري والصناعي. وقالت وزارة الطاقة والنفط في ذلك الوقت إن كميات من الوقود وصلت إلى الموانئ، وإن شاحنات في طريقها إلى الخرطوم لمعالجة الاختناقات. كما أرجعت الوزارة جزءاً من تأخر الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الاستيراد وتحرك سعر الصرف.
بعد ثلاثة أيام، في 16 سبتمبر، نفت الوزارة وجود نقص في الوقود، وقالت إن الإمدادات تنساب بصورة طبيعية. وعزت الازدحام، خصوصاً في البنزين، إلى بطء بعض التطبيقات المصرفية، إضافة إلى تأثير التطورات الجيوسياسية في باب المندب على حركة ناقلات النفط وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.
الأرقام في المحطات نفسها كانت تعكس وضعاً أكثر تعقيداً.
في 16 سبتمبر، بلغ سعر جالون البنزين في المحطات نحو 35 ألف جنيه، مقابل 50 ألفاً في السوق السوداء، بينما وصل جالون الجازولين إلى 44 ألف جنيه داخل المحطات ونحو 55 ألفاً في السوق الموازية. وبحلول 29 سبتمبر، ارتفع سعر جالون البنزين في المحطات إلى نحو 37 ألف جنيه، بينما قفز في السوق السوداء إلى حوالي 60 ألفاً. أما الجازولين فتراوح في السوق الموازية بين 65 و70 ألف جنيه للجالون، مقابل نحو 45 ألفاً في المحطات.
وفي الولايات، اتخذت الأزمة شكلاً آخر، ارتفاع رسمي في الأسعار.
في ولاية الجزيرة، صدر في 30 سبتمبر منشور من الإدارة العامة للمواد البترولية يحدد سعر لتر البنزين للمستهلك عند 8,950 جنيهاً، على أن يبدأ تطبيق السعر في جميع محطات الولاية اعتباراً من 1 أكتوبر 2026.
ويمثل السعر الجديد قفزة كبيرة مقارنة بسعر 6,805 جنيهات للتر الذي كانت الولاية قد أعلنته في يوليو. أي زيادة قدرها 2,145 جنيهاً للتر، ونحو 31.5% خلال ما يزيد قليلاً على شهرين.
وفي ولاية البحر الأحمر، ارتفع سعر لتر البنزين من 7,064 إلى 7,748 جنيهاً، أي بزيادة قدرها 684 جنيهاً للتر. أما ولاية كسلا، فكانت قد رفعت السعر في سبتمبر من 6,622 إلى 8,048 جنيهاً، بزيادة بلغت 1,426 جنيهاً للتر.
تأتي الزيادات في وقت يتراجع فيه سعر الجنيه السوداني بصورة حادة. ففي 29 سبتمبر تجاوز الدولار 8,000 جنيه في السوق الموازية، بينما كانت وزارة المالية قد ربطت في 16 سبتمبر تراجع الجنيه بارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات.
مصفاة الجيلي وسط الأزمة
أحد أهم أسباب أزمة الوقود هو استمرار توقف مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.
المصفاة كانت قبل الحرب مصدراً رئيسياً للمشتقات النفطية في البلاد، ويشير تحليل مرصد النزاعات والبيئة إلى أنها كانت توفر نحو 60% من البنزين في السودان قبل تعرضها لأضرار متكررة خلال الحرب. كما أدت الحرائق والهجمات على المنشأة إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية وخزانات التخزين، وأسهم توقفها في اضطراب إمدادات الوقود.
وبغياب المصفاة، أصبح السوق السوداني أكثر اعتماداً على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة. وهذا يجعل سعر الوقود مرتبطاً بثلاثة عوامل في وقت واحد، سعر المنتج في الأسواق العالمية، وتكلفة النقل والتأمين، وسعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية.
وتقول وزارة الطاقة إن التطورات في باب المندب أدت إلى تعطيل حركة ناقلات النفط ورفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما انعكس على مواعيد وصول الشحنات وأسعار بعض المنتجات النفطية.
لكن الأزمة لا تتعلق بالاستيراد وحده.
في 27 سبتمبر، تعرضت مستودعات أم عليلة، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً شمال شرق ود مدني، لقصف بطائرات مسيرة. وكانت المستودعات تمثل مخزوناً رئيسياً للبنزين والجازولين وتغذي ولاية الجزيرة والمناطق المحيطة بها. وسبق أن تعرضت المنشأة للتخريب خلال المواجهات العسكرية في ديسمبر 2023.
وبذلك أصبحت الحرب تضرب سلسلة الوقود في أكثر من نقطة: التكرير، والتخزين، والنقل، والاستيراد والتوزيع.
أزمة تتجاوز محطات الوقود
تكشف التطورات المتلاحقة خلال سبتمبر أن أزمة الوقود في السودان تتجاوز مشكلة نقص مؤقت في المحطات. فالحرب أضعفت قدرة البلاد على تكرير النفط وتخزينه ونقله، وأجبرت سلطة بورتسودان على الاعتماد بدرجة أكبر على الاستيراد، في وقت يتراجع فيه الجنيه وترتفع تكلفة الشحن والتأمين وتتضرر منشآت التخزين وخطوط الإمداد.
وتظهر الأرقام حجم الضغط على السوق. ففي غضون أسابيع ارتفع سعر جالون البنزين في بعض الأسواق من عشرات الآلاف إلى نحو 60–80 ألف جنيه، بينما تجاوز سعر اللتر الرسمي في بعض الولايات 8 آلاف جنيه. وفي الوقت نفسه، ظلت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية قائمة، بما يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بالسعر وحده، وإنما بقدرة منظومة الإمداد على توفير الوقود بصورة منتظمة.
وتعني هذه الأزمة ارتفاع تكلفة النقل وحركة البضائع، وزيادة أعباء الزراعة والصناعة والخدمات، وبالتالي انتقال جزء من كلفة الوقود إلى أسعار السلع. ومع استمرار الحرب وتوقف مصفاة الجيلي وتعرض منشآت التخزين والنقل للخطر، يبقى استقرار سوق الوقود مرتبطاً ليس فقط بوصول شحنات جديدة، وإنما بقدرة سلطة بورتسودان على تأمين سلسلة الإمداد كاملة من الموانئ إلى المستهلك.
وبذلك تتحول أزمة الوقود إلى واحدة من القنوات الرئيسية التي تنقل كلفة الحرب إلى الحياة اليومية والاقتصاد السوداني، من محطات الوقود إلى الأسواق والمواصلات والإنتاج، في وقت تتزايد فيه الضغوط على العملة والأسواق وقدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة.


