الأخبار

من اليمامة إلى لحظة الحسم… كيف أعادت السعودية تشكيل مستقبل السودان؟

في الخامس عشر من ديسمبر وصل الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرياض في زيارة ليست كغيرها، زيارة لم تكن بروتوكولية ولا مجاملة سياسية، بل نقطة تحول في مسار الحرب وصناعة القرار الإقليمي حول السودان. في قصر اليمامة كان ولي العهد محمد بن سلمان ينتظر البرهان بعد أن ارتفع منسوب القلق السعودي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبعد أن تحولت الحرب في السودان إلى ملف أمن إقليمي لا يمكن تركه في يد الوسطاء ولا أصحاب الأجندات المتضاربة. محمد بن سلمان أكد للبرهان أنه على تواصل مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الحرب، وأن المملكة رفعت الملف السوداني لمستوى الأولوية القصوى، ليس من باب السياسة، بل من باب الأمن القومي السعودي ذاته. وأوضح ولي العهد أن السعودية شكلت فريقًا مشتركًا مع الولايات المتحدة يضم خالد بن سلمان ومساعد العيبان وفيصل بن فرحان، ومعهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فريق هدفه التنسيق المباشر حول السودان بعيدًا عن الضوضاء والبيانات الفارغة. ثم طرح ولي العهد مبادرة سلام تم إعدادها مع واشنطن والقاهرة، مبادرة تقوم على وقف إطلاق نار شامل كبداية لحوار مباشر تحت إشراف سعودي–أميركي، مع توحيد الجهد الإقليمي والدولي خلف حل واحد، والضغط على الجهة الإقليمية الداعمة لحميدتي لإيقاف الحرب وإعادته لطاولة التفاوض. وأكد محمد بن سلمان أن المملكة تميل لدعم القدرات المشروعة للقوات المسلحة السودانية، وتوفير ما يلزم من ذخيرة وبرامج تدريب، وأن أي مسار سياسي لن يقوم دون وقف الحرب وحماية وحدة الأراضي السودانية. البرهان وضع شرطين واضحين للموافقة : أن يوقف حميدتي هجماته على المدن، وأن يلتزم الطرف الداعم له بإيقاف ضخ السلاح والمال الذي يطيل عمر الحرب ويحرق السودان.
وبعد لقاء ولي العهد، التقى البرهان مسعد بولس، وهناك تغيرت نبرة الحديث تمامًا. البرهان لم يترك مساحة للمجاملات، بل واجهه بوضوح قائلاً: لقد قلت لك في لقائنا في بورتسودان إنك لن تنجح بالطريقة التي تسير بها، ونصحناك ولم تسمع. لن نقبل هدنة مصطنعة، ولا توجد مجاعة في السودان كما تروّج، وهذا كله كذب لا يستند إلى الواقع. لا تتبنى روايات لا تحدث على الأرض ولا تصنع سلامًا بل تضيع وقت الشعب. ثم قال له بوضوح أكبر: عبد الله حمدوك لن يعود لرئاسة الوزراء مرة أخرى، إن قبل الجيش فلن يقبله الشعب، وإن قبل الخارج فلن يقبله الداخل. وإن أردت النجاح فابتعد عن خط السياسيين في الخارج وأجندتهم، فالتغيير يُصنع من الداخل، وكل من هو في الخارج يعطيك الوهم ويبيعك السراب. وأكد له أن اللحظة الآن ليست لحظة تسويق شخصيات ولا إعادة تدوير مشاريع فاشلة، بل لحظة قرار، وأن صوت السودان الحقيقي موجود داخل البلاد وليس خارجها. وفي ختام اللقاء ترك البرهان رسالة واحدة: السودان تغيّر، والساحة السياسية تغيّرت، ولن يسمح الجيش ولا الشعب بأي ترتيبات تُفرض من الخارج أو تُدار عبر غرف مغلقة. أما في الخلفية فكان الحديث عن الدور الإماراتي حاضرًا بقوة، ذلك الدور الذي تحوّل من دعم سياسي رمادي إلى دعم مباشر للمليشيا بالسلاح والمال عبر أطراف إقليمية، ما أطال الحرب ودفع السودان نحو الفوضى. السعودية نقلت لبولس والبرهان معًا إشارات واضحة بأن هذا الدور أصبح تحت المجهر، وأن أي استمرار في دعم المليشيات سيُعد تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي والممرات البحرية، وأن المملكة –بدعم أميركي– ستتعامل مع هذا الملف بصرامة غير مسبوقة. وهنا يتساءل السودانيون: إلى متى يظل طرف عربي يدعم مليشيا تقتل دولة عربية أخرى؟ وكيف يمكن لسلام حقيقي أن يولد بينما هناك من يغذي الفوضى بسلاح ومال؟ وهل تملك المنطقة رفاهية ترك السودان يحترق من أجل حسابات ضيقة؟ ما خرج من لقاء الرياض ليس مجرد مبادرة… بل إعلان أن السودان غادر مربع المناورات ودخل مربع القرار. وأن الحرب تقترب من نهايتها، لكن النهاية لن تُكتب في العلن، بل في دهاليز السياسة حيث تتقاطع مصالح الكبار. وفي النهاية يبقى السؤال الأكبر: هل تدرك الأطراف الداعمة للفوضى أن الزمن تغيّر؟ وأن السودان هذه المرة لن يُدار بالضغط ولا بالابتزاز ولا بالأموال التي تحاول شراء الجغرافيا؟ الأيام المقبلة ستجيب… لكنها بالتأكيد لن تشبه ما قبل لقاء اليمامة.
مخرجات الرياض حددت خارطة طريق واضحة لإنهاء الصراع، والآن السؤال الأهم: كيف سيُنسّق قادة الجيش والشعب في الداخل خطواتهم مع هذه المخارج لضمان تحقيق وقف الحرب وتحقيق السلام الحقيقي؟ هل ستنجح جميع الأطراف في ترجمة التوجيهات الدولية والإقليمية إلى واقع عملي على الأرض؟ وهل ستكون مخارج الرياض قاعدة متينة لتوحيد الرؤية بين الداخل والخارج وإنهاء معاناة السودانيين؟

زر الذهاب إلى الأعلى