
زكريا نمر
ما يجري بين إثيوبيا وإريتريا ومصر لا يمكن قراءته باعتباره خلافا دبلوماسيا منفصلا عن بقية أزمات المنطقة، لأن الملفات أصبحت متداخلة إلى درجة يصعب معها معرفة أين ينتهي الخلاف حول النيل وأين يبدأ الصراع على البحر الأحمر، وأين تتوقف أزمة تيغراي لتبدأ حسابات السودان والصومال والموانئ والتحالفات الإقليمية. إثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءا من أمنها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية، وإريتريا تنظر بحساسية شديدة إلى أي تمدد إثيوبي، بينما ترى مصر أن قضية النيل ترتبط بأمنها المائي والاستراتيجي. وبين هذه الحسابات تتحرك قوى إقليمية ودولية لها مصالحها الخاصة.
الأكثر إثارة للقلق أن الدبلوماسية نفسها بدأت تتراجع من المشهد. في 1 أكتوبر 2026 أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا وإغلاق سفارتها في أديس أبابا. وفي السياق نفسه شهدت العلاقات المصرية الإثيوبية تصعيدا دبلوماسيا تمثل في طرد دبلوماسيين من الجانبين. إغلاق السفارات ليس إعلان حرب، لكنه ليس خبرا بروتوكوليا أيضا. السفارة قناة اتصال، وفي الأزمات تصبح قنوات الاتصال أهم من المباني نفسها، لأنها تسمح بنقل الرسائل، وفهم النوايا، وفتح مخارج تفاوضية حتى عندما تكون العلاقات في أسوأ حالاتها. وعندما تضيق هذه القنوات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالا.و يجب طرح السؤال الحقيقي هل نحن أمام دول تستعد للحرب، أم أمام دول تستعد لمنع الحرب بالطريقة التي قد تجعلها أكثر احتمالا؟ فكل دولة تستطيع أن تصف تحركاتها بأنها دفاعية، بينما يقرأها خصمها باعتبارها استعدادا للهجوم. الدولة تعزز قواتها لأنها تريد الردع، فيرد الخصم بالخطوة نفسها، ثم يتحول الردع إلى سباق تسلح، ويتحول سباق التسلح إلى توتر حدودي، وقد تتحول حادثة صغيرة إلى أزمة أكبر من قدرة الأطراف على السيطرة عليها.المعادلة الحالية يمكن اختصارها في أربعة ملفات مترابطة: النيل، والبحر الأحمر، وتيغراي، والحرب في السودان. لكن المعادلة أوسع من ذلك. إثيوبيا لا تتحرك في فراغ، وإريتريا ليست وحدها على البحر الأحمر، ومصر لا تنظر إلى القرن الإفريقي من زاوية النيل فقط. هناك أيضا مصالح خليجية ودولية، وهناك الصومال وأرض الصومال، وهناك السودان الذي يقع في واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذه الخريطة. لذلك فإن اختصار الأزمة في عبارة مصر ضد إثيوبيا أو إثيوبيا ضد إريتريا يفقد أهم جزء من الصورة فالصراع الأوسع يتعلق بإعادة تشكيل ميزان القوة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولهذا فإن الوصول إلى البحر ليس بالنسبة إليها مجرد مسألة تجارية، بل قضية ترتبط بالتجارة والأمن والنفوذ الإقليمي. أما إريتريا، التي تمتلك ساحلا طويلا على البحر الأحمر، فتنظر إلى أمنها البحري وسيادتها وموقعها الإقليمي باعتبارها قضايا لا يمكن فصلها عن علاقتها بإثيوبيا. ويصبح الميناء أكثر من منشأة اقتصادية يصبح ورقة نفوذ في معادلة إقليمية أكبر.وفي الجانب الآخر تقف مصر أمام ملف النيل وسد النهضة، وهو خلاف طويل لا يمكن فصله عن حسابات الأمن المائي المصري. إثيوبيا تنظر إلى السد باعتباره مشروعا سياديا وتنمويا، بينما ترى مصر في إدارة مياه النيل قضية أمن قومي. والسودان يقع جغرافيا وسياسيا بين البلدين، لكن مصالحه وحساباته ليست بالضرورة مطابقة تماما لحسابات القاهرة أو أديس أبابا. ولذلك فإن اختزال ملف السد في مواجهة ثنائية لا يقدم الصورة الكاملة لأن القضية أصبحت جزءا من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية.ثم تأتي تيغراي، وهي ربما أكثر النقاط قابلية لتحويل التوتر السياسي إلى أزمة أمنية. الحرب الإثيوبية في تيغراي أظهرت خلال السنوات الماضية كيف يمكن للصراع الداخلي أن يتجاوز الحدود، خصوصا أن الإقليم يقع في موقع حساس بين إثيوبيا وإريتريا وقريبا من السودان. وكانت إريتريا قد قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال الحرب السابقة، قبل أن تتدهور العلاقات بين أسمرا وأديس أبابا بصورة حادة. ومع عودة القتال في تيغراي خلال 2026، عاد الإقليم إلى قلب الحسابات الإقليمية. وتتهم أديس أبابا إريتريا ومصر والسودان بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، بينما تنفي هذه الدول تلك الاتهامات. ومهما كان تقييم هذه الادعاءات، فإن مجرد انتقالها إلى الخطاب الرسمي في هذا التوقيت يكشف عمق أزمة الثقة بين الأطراف.
أما السودان، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد متلق لتداعيات الأزمة. الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 جعلت الدولة السودانية أكثر هشاشة أمام التحولات الإقليمية، بينما يجعل موقعها الجغرافي وحدودها مع إثيوبيا وإريتريا وموقعها على البحر الأحمر منها جزءا مهما من المعادلة. وكلما طال أمد الحرب في السودان، أصبح المجال الحدودي أكثر حساسية، وأصبحت أي أزمة جديدة في إثيوبيا أو إريتريا قابلة للارتداد على السودان سياسيا وأمنيا وإنسانيا.وتدخل الصومال وأرض الصومال في الحسابات من زاوية أخرى. فالبحث الإثيوبي عن منفذ بحري لا يتعلق بإريتريا وحدها، وإنما يتقاطع مع ملف الموانئ والسيادة والصراع في الصومال. ولذلك فإن البحر الأحمر وخليج عدن أصبحا مساحة تنافس على النفوذ، وليس مجرد ممرات تجارية. كما أن وجود قوى إقليمية ودولية في هذه المنطقة يجعل أي أزمة محلية قابلة لاكتساب أبعاد تتجاوز حدود الدول الثلاث.
وهذا يقودنا إلى السؤال لماذا تتصاعد الأزمة الآن؟ لأن عدة ملفات وصلت إلى نقطة تقاطع في وقت واحد: حرب السودان، عودة التوتر في تيغراي، القطيعة الإثيوبية الإريترية، الخلاف حول سد النهضة، والبحث الإثيوبي عن منفذ بحري. كل ملف من هذه الملفات يمكن احتواؤه إذا عولج منفردا، لكن اجتماعها في لحظة واحدة يرفع تكلفة الخطأ ويجعل أي قرار أمني قابلا لأن تكون له تداعيات تتجاوز الهدف الذي اتخذ من أجله.السيناريو الأول هو احتواء الأزمة. وقد تتحرك مؤسسات إقليمية ودولية لإعادة فتح قنوات الاتصال ومنع التصعيد. الاتحاد الإفريقي دعا إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات التي يمكن أن تزيد التوتر، والعودة إلى الحوار والقنوات الدبلوماسية. في هذا السيناريو يصبح إغلاق السفارات وسيلة ضغط مؤقتة، وليس مقدمة لمواجهة عسكرية. لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى استعادة حد أدنى من الثقة، وهي الحلقة الأضعف في المشهد الحالي.
السيناريو الثاني هو أن تتحول أزمة تيغراي إلى صراع إقليمي. فإذا اتسعت المواجهات، ودخلت أطراف خارجية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن الحدود لن تمنع تداعيات الحرب. إريتريا موجودة على الحدود، والسودان موجود على الحدود، ومصر مرتبطة بالنيل والتوازنات الإقليمية. وعندها يمكن أن ينتقل الصراع من حرب داخلية إثيوبية إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف.السيناريو الثالث هو انتقال التوتر إلى البحر الأحمر. فإذا أصبحت مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر أكثر إلحاحا، فإن إريتريا ستكون في قلب الحسابات بحكم موقعها الساحلي. وعندها لن يكون السؤال عن الميناء فقط، بل عن النفوذ وترتيبات الأمن والسيطرة على طرق التجارة والمصالح الاستراتيجية. وهذا يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى، لأن البحر الأحمر ليس شأنا إفريقيا خالصا، بل ممر استراتيجي للتجارة والطاقة والأمن الدولي.أما السيناريو الرابع فهو حرب بالوكالة. وقد لا نشهد مواجهة مباشرة بين مصر وإثيوبيا وإريتريا، بل تتحرك الدول عبر حلفاء محليين، أو دعم سياسي، أو معلومات استخباراتية، أو مساعدات لوجستية، أو علاقات مع جماعات مسلحة وأطراف محلية. وفي هذه الحالة تصبح الحرب أقل وضوحا وأكثر صعوبة في الإيقاف، لأن كل طرف يستطيع أن ينفي تدخله بينما يستمر الصراع على الأرض.
وهناك سيناريو خامس أقل وضوحا لكنه مهم استمرار التصعيد دون حرب شاملة. طرد دبلوماسيين، إغلاق سفارات، تحريك قوات، ضغوط اقتصادية، دعم أطراف محلية، وتبادل اتهامات، من دون أن تصل الدول إلى قرار المواجهة المباشرة. مثل هذا الوضع يمكن أن يستمر طويلا، وقد يعيد تشكيل التحالفات وموازين النفوذ حتى من دون حرب معلنة.ويجب أن يكون النقد موجها إلى طريقة إدارة الأزمة نفسها. المشكلة ليست في أن الدول تختلف؛ فالاختلاف جزء طبيعي من العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما تصبح كل دولة مقتنعة بأن زيادة أوراق الضغط هي الطريق الوحيد لحماية مصالحها. عندها تتحول أدوات الردع إلى أدوات استفزاز، وتصبح الخطوة التي تراها دولة دفاعية في نظر خصمها استعدادا للهجوم. الدولة تتحرك لحماية أمنها، فيرد الطرف الآخر لحماية أمنه، ثم تصبح سلسلة الردود أقوى من قدرة أي طرف على التراجع.لذلك فإن نقطة التحول الحقيقية ليست بالضرورة إعلان حرب. يجب مراقبة مؤشرات أخرى: اتساع القتال في تيغراي، حدوث احتكاك عسكري مباشر بين إثيوبيا وإريتريا، انتقال أزمة البحر الأحمر إلى مواجهة أمنية، انهيار قنوات الوساطة، توسع دعم الأطراف المحلية، أو انتقال الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات عسكرية مباشرة. إذا اجتمعت عدة مؤشرات من هذه في وقت واحد، فإن طبيعة الأزمة ستتغير. ولهذا فإن السؤال ليس: هل ستندلع الحرب غدا؟ فهذا سؤال مبسط أكثر من اللازم. السؤال الأهم هو: كم تبقى من أدوات منع الحرب قبل أن تصبح لغة القوة هي اللغة الأساسية بين الأطراف؟ لأن الخطر الحقيقي ليس أن تكون هناك دولة واحدة تريد الحرب، بل أن تتحرك عدة دول لحماية مصالحها، فيقرأ كل طرف تحركات الآخر باعتبارها تهديدا، ثم تتراكم القرارات الصغيرة حتى تصبح الأزمة أكبر من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.إغلاق السفارات لا يعني أن الحرب بدأت، لكنه يعني أن إحدى أدوات إدارة الأزمة أصبحت أضعف. والدبلوماسية عندما تتراجع لا تختفي المشكلة؛ المشكلة تنتقل إلى مساحة أخرى: الأمن، الحدود، الجيوش، التحالفات، والردع.القرن الإفريقي لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت أنه يعيش أزمة. الأزمة موجودة بالفعل. والتحدي الحقيقي هو منع تحول الأزمات المتفرقة إلى نظام إقليمي يقوم على الاستقطاب، والحروب بالوكالة، والصراع على الموانئ والمياه والحدود. فالحرب قد تبدأ بقرار واضح، لكنها قد تبدأ أيضا بسلسلة من القرارات التي لم يقصد أصحابها أن تقود إليها.وفي القرن الإفريقي، الخطر الأكبر ليس أن يقرر طرف ما إشعال حرب شاملة، بل أن يواصل الجميع التصعيد وهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك فقط لحماية أنفسهم.
ما يجري بين إثيوبيا وإريتريا ومصر لا يمكن قراءته باعتباره خلافا دبلوماسيا منفصلا عن بقية أزمات المنطقة، لأن الملفات أصبحت متداخلة إلى درجة يصعب معها معرفة أين ينتهي الخلاف حول النيل وأين يبدأ الصراع على البحر الأحمر، وأين تتوقف أزمة تيغراي لتبدأ حسابات السودان والصومال والموانئ والتحالفات الإقليمية. إثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءا من أمنها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية، وإريتريا تنظر بحساسية شديدة إلى أي تمدد إثيوبي، بينما ترى مصر أن قضية النيل ترتبط بأمنها المائي والاستراتيجي. وبين هذه الحسابات تتحرك قوى إقليمية ودولية لها مصالحها الخاصة.
الأكثر إثارة للقلق أن الدبلوماسية نفسها بدأت تتراجع من المشهد. في 1 أكتوبر 2026 أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا وإغلاق سفارتها في أديس أبابا. وفي السياق نفسه شهدت العلاقات المصرية الإثيوبية تصعيدا دبلوماسيا تمثل في طرد دبلوماسيين من الجانبين. إغلاق السفارات ليس إعلان حرب، لكنه ليس خبرا بروتوكوليا أيضا. السفارة قناة اتصال، وفي الأزمات تصبح قنوات الاتصال أهم من المباني نفسها، لأنها تسمح بنقل الرسائل، وفهم النوايا، وفتح مخارج تفاوضية حتى عندما تكون العلاقات في أسوأ حالاتها. وعندما تضيق هذه القنوات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالا.و يجب طرح السؤال الحقيقي هل نحن أمام دول تستعد للحرب، أم أمام دول تستعد لمنع الحرب بالطريقة التي قد تجعلها أكثر احتمالا؟ فكل دولة تستطيع أن تصف تحركاتها بأنها دفاعية، بينما يقرأها خصمها باعتبارها استعدادا للهجوم. الدولة تعزز قواتها لأنها تريد الردع، فيرد الخصم بالخطوة نفسها، ثم يتحول الردع إلى سباق تسلح، ويتحول سباق التسلح إلى توتر حدودي، وقد تتحول حادثة صغيرة إلى أزمة أكبر من قدرة الأطراف على السيطرة عليها.المعادلة الحالية يمكن اختصارها في أربعة ملفات مترابطة: النيل، والبحر الأحمر، وتيغراي، والحرب في السودان. لكن المعادلة أوسع من ذلك. إثيوبيا لا تتحرك في فراغ، وإريتريا ليست وحدها على البحر الأحمر، ومصر لا تنظر إلى القرن الإفريقي من زاوية النيل فقط. هناك أيضا مصالح خليجية ودولية، وهناك الصومال وأرض الصومال، وهناك السودان الذي يقع في واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذه الخريطة. لذلك فإن اختصار الأزمة في عبارة مصر ضد إثيوبيا أو إثيوبيا ضد إريتريا يفقد أهم جزء من الصورة فالصراع الأوسع يتعلق بإعادة تشكيل ميزان القوة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولهذا فإن الوصول إلى البحر ليس بالنسبة إليها مجرد مسألة تجارية، بل قضية ترتبط بالتجارة والأمن والنفوذ الإقليمي. أما إريتريا، التي تمتلك ساحلا طويلا على البحر الأحمر، فتنظر إلى أمنها البحري وسيادتها وموقعها الإقليمي باعتبارها قضايا لا يمكن فصلها عن علاقتها بإثيوبيا. ويصبح الميناء أكثر من منشأة اقتصادية يصبح ورقة نفوذ في معادلة إقليمية أكبر.وفي الجانب الآخر تقف مصر أمام ملف النيل وسد النهضة، وهو خلاف طويل لا يمكن فصله عن حسابات الأمن المائي المصري. إثيوبيا تنظر إلى السد باعتباره مشروعا سياديا وتنمويا، بينما ترى مصر في إدارة مياه النيل قضية أمن قومي. والسودان يقع جغرافيا وسياسيا بين البلدين، لكن مصالحه وحساباته ليست بالضرورة مطابقة تماما لحسابات القاهرة أو أديس أبابا. ولذلك فإن اختزال ملف السد في مواجهة ثنائية لا يقدم الصورة الكاملة لأن القضية أصبحت جزءا من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية.ثم تأتي تيغراي، وهي ربما أكثر النقاط قابلية لتحويل التوتر السياسي إلى أزمة أمنية. الحرب الإثيوبية في تيغراي أظهرت خلال السنوات الماضية كيف يمكن للصراع الداخلي أن يتجاوز الحدود، خصوصا أن الإقليم يقع في موقع حساس بين إثيوبيا وإريتريا وقريبا من السودان. وكانت إريتريا قد قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال الحرب السابقة، قبل أن تتدهور العلاقات بين أسمرا وأديس أبابا بصورة حادة. ومع عودة القتال في تيغراي خلال 2026، عاد الإقليم إلى قلب الحسابات الإقليمية. وتتهم أديس أبابا إريتريا ومصر والسودان بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، بينما تنفي هذه الدول تلك الاتهامات. ومهما كان تقييم هذه الادعاءات، فإن مجرد انتقالها إلى الخطاب الرسمي في هذا التوقيت يكشف عمق أزمة الثقة بين الأطراف.
أما السودان، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد متلق لتداعيات الأزمة. الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 جعلت الدولة السودانية أكثر هشاشة أمام التحولات الإقليمية، بينما يجعل موقعها الجغرافي وحدودها مع إثيوبيا وإريتريا وموقعها على البحر الأحمر منها جزءا مهما من المعادلة. وكلما طال أمد الحرب في السودان، أصبح المجال الحدودي أكثر حساسية، وأصبحت أي أزمة جديدة في إثيوبيا أو إريتريا قابلة للارتداد على السودان سياسيا وأمنيا وإنسانيا.وتدخل الصومال وأرض الصومال في الحسابات من زاوية أخرى. فالبحث الإثيوبي عن منفذ بحري لا يتعلق بإريتريا وحدها، وإنما يتقاطع مع ملف الموانئ والسيادة والصراع في الصومال. ولذلك فإن البحر الأحمر وخليج عدن أصبحا مساحة تنافس على النفوذ، وليس مجرد ممرات تجارية. كما أن وجود قوى إقليمية ودولية في هذه المنطقة يجعل أي أزمة محلية قابلة لاكتساب أبعاد تتجاوز حدود الدول الثلاث.
وهذا يقودنا إلى السؤال لماذا تتصاعد الأزمة الآن؟ لأن عدة ملفات وصلت إلى نقطة تقاطع في وقت واحد: حرب السودان، عودة التوتر في تيغراي، القطيعة الإثيوبية الإريترية، الخلاف حول سد النهضة، والبحث الإثيوبي عن منفذ بحري. كل ملف من هذه الملفات يمكن احتواؤه إذا عولج منفردا، لكن اجتماعها في لحظة واحدة يرفع تكلفة الخطأ ويجعل أي قرار أمني قابلا لأن تكون له تداعيات تتجاوز الهدف الذي اتخذ من أجله.السيناريو الأول هو احتواء الأزمة. وقد تتحرك مؤسسات إقليمية ودولية لإعادة فتح قنوات الاتصال ومنع التصعيد. الاتحاد الإفريقي دعا إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات التي يمكن أن تزيد التوتر، والعودة إلى الحوار والقنوات الدبلوماسية. في هذا السيناريو يصبح إغلاق السفارات وسيلة ضغط مؤقتة، وليس مقدمة لمواجهة عسكرية. لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى استعادة حد أدنى من الثقة، وهي الحلقة الأضعف في المشهد الحالي.
السيناريو الثاني هو أن تتحول أزمة تيغراي إلى صراع إقليمي. فإذا اتسعت المواجهات، ودخلت أطراف خارجية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن الحدود لن تمنع تداعيات الحرب. إريتريا موجودة على الحدود، والسودان موجود على الحدود، ومصر مرتبطة بالنيل والتوازنات الإقليمية. وعندها يمكن أن ينتقل الصراع من حرب داخلية إثيوبية إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف.السيناريو الثالث هو انتقال التوتر إلى البحر الأحمر. فإذا أصبحت مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر أكثر إلحاحا، فإن إريتريا ستكون في قلب الحسابات بحكم موقعها الساحلي. وعندها لن يكون السؤال عن الميناء فقط، بل عن النفوذ وترتيبات الأمن والسيطرة على طرق التجارة والمصالح الاستراتيجية. وهذا يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى، لأن البحر الأحمر ليس شأنا إفريقيا خالصا، بل ممر استراتيجي للتجارة والطاقة والأمن الدولي.أما السيناريو الرابع فهو حرب بالوكالة. وقد لا نشهد مواجهة مباشرة بين مصر وإثيوبيا وإريتريا، بل تتحرك الدول عبر حلفاء محليين، أو دعم سياسي، أو معلومات استخباراتية، أو مساعدات لوجستية، أو علاقات مع جماعات مسلحة وأطراف محلية. وفي هذه الحالة تصبح الحرب أقل وضوحا وأكثر صعوبة في الإيقاف، لأن كل طرف يستطيع أن ينفي تدخله بينما يستمر الصراع على الأرض.
وهناك سيناريو خامس أقل وضوحا لكنه مهم استمرار التصعيد دون حرب شاملة. طرد دبلوماسيين، إغلاق سفارات، تحريك قوات، ضغوط اقتصادية، دعم أطراف محلية، وتبادل اتهامات، من دون أن تصل الدول إلى قرار المواجهة المباشرة. مثل هذا الوضع يمكن أن يستمر طويلا، وقد يعيد تشكيل التحالفات وموازين النفوذ حتى من دون حرب معلنة.ويجب أن يكون النقد موجها إلى طريقة إدارة الأزمة نفسها. المشكلة ليست في أن الدول تختلف؛ فالاختلاف جزء طبيعي من العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما تصبح كل دولة مقتنعة بأن زيادة أوراق الضغط هي الطريق الوحيد لحماية مصالحها. عندها تتحول أدوات الردع إلى أدوات استفزاز، وتصبح الخطوة التي تراها دولة دفاعية في نظر خصمها استعدادا للهجوم. الدولة تتحرك لحماية أمنها، فيرد الطرف الآخر لحماية أمنه، ثم تصبح سلسلة الردود أقوى من قدرة أي طرف على التراجع.لذلك فإن نقطة التحول الحقيقية ليست بالضرورة إعلان حرب. يجب مراقبة مؤشرات أخرى: اتساع القتال في تيغراي، حدوث احتكاك عسكري مباشر بين إثيوبيا وإريتريا، انتقال أزمة البحر الأحمر إلى مواجهة أمنية، انهيار قنوات الوساطة، توسع دعم الأطراف المحلية، أو انتقال الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات عسكرية مباشرة. إذا اجتمعت عدة مؤشرات من هذه في وقت واحد، فإن طبيعة الأزمة ستتغير. ولهذا فإن السؤال ليس: هل ستندلع الحرب غدا؟ فهذا سؤال مبسط أكثر من اللازم. السؤال الأهم هو: كم تبقى من أدوات منع الحرب قبل أن تصبح لغة القوة هي اللغة الأساسية بين الأطراف؟ لأن الخطر الحقيقي ليس أن تكون هناك دولة واحدة تريد الحرب، بل أن تتحرك عدة دول لحماية مصالحها، فيقرأ كل طرف تحركات الآخر باعتبارها تهديدا، ثم تتراكم القرارات الصغيرة حتى تصبح الأزمة أكبر من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.إغلاق السفارات لا يعني أن الحرب بدأت، لكنه يعني أن إحدى أدوات إدارة الأزمة أصبحت أضعف. والدبلوماسية عندما تتراجع لا تختفي المشكلة؛ المشكلة تنتقل إلى مساحة أخرى: الأمن، الحدود، الجيوش، التحالفات، والردع.القرن الإفريقي لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يثبت أنه يعيش أزمة. الأزمة موجودة بالفعل. والتحدي الحقيقي هو منع تحول الأزمات المتفرقة إلى نظام إقليمي يقوم على الاستقطاب، والحروب بالوكالة، والصراع على الموانئ والمياه والحدود. فالحرب قد تبدأ بقرار واضح، لكنها قد تبدأ أيضا بسلسلة من القرارات التي لم يقصد أصحابها أن تقود إليها.وفي القرن الإفريقي، الخطر الأكبر ليس أن يقرر طرف ما إشعال حرب شاملة، بل أن يواصل الجميع التصعيد وهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك فقط لحماية أنفسهم.



