الأعمدة

كباشي في عزاء أبو داؤد،، دلالة وأكثر من رسالة..

لمستُ ارتياحاً كبيراً وسط القطاع الرياضي عامة، والمريخي بشكل خاص، وهم يتابعون المبادرة الإنسانية الصادقة واللافتة للفريق أول ركن شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للقوات المسلحة، وهو يحرص على تقديم واجب العزاء بنفسه في فقيد الوطن والرياضة الكابتن سليمان عبدالقادر الجزولي (أبو داؤد)، في مشهدٍ عكس وعياً عميقاً بقيمة الإنسان، واحتراماً لتاريخ رجل أفنى أكثر من عشرين عاماً من نضارة عمره في خدمة السودان عبر أكثر من ميدان.

زيارة الفريق كباشي التي تجاوزت البروتوكول الرسمي، لم تكن مجرّد أداء لواجب اجتماعي، بل حملت في طياتها رسائل ذات دلالات وطنية وإنسانية عميقة، خاصة مع الإلمام الدقيق الذي أبداه الفريق كباشي بمسيرة الراحل، حين وصفه بـ”ابن السودان”، الذي قدّم عطاءً متنوعاً في مجالات كرة القدم لاعباً ومدرباً، وحكماً بالإضافة إلى عمله المصرفي، في نموذج نادر يجمع بين الالتزام المهني والروح الرياضية وخدمة المجتمع.

أكثر من عشرين عاماً قضاها الراحل أبو داؤد في نادي المريخ، كان خلالها اسماً كبيراً في قائمة شرف اللاعبين الأبرز، ممكن شكَّلوا أعمدة متينة اعتمد عليها (الأحمر الوهاج) نادي المريخ العظيم، فقد كان الراحل سليمان أبوداؤد من الذين أسهموا في كتابة فصول مضيئة في تاريخ الكرة السودانية، وسطروا اسم السودان ونادي المريخ في بطولات الأمم الأفريقية، في زمن كانت فيه الرياضة إحدى أدوات القوة الناعمة وحاضنة للوحدة الوطنية.

وتتضاعف أهمية اللفتة الإنسانية للفريق كباشي، حين دعا الجهات المعنية، سواءً وزارة الشباب والرياضة، أو وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، أو حتى نادي المريخ نفسه، إلى الشروع في توثيق مسيرة الراحل في كتاب يجمع إنجازاته وتجربته الغنية، لتكون مرجعاً للأجيال القادمة، ومصدراً للإلهام والتعلّم، وحفظاً لذاكرة رياضية كثيراً ما تعرضت للإهمال والنسيان.

إن مبادرة الفريق كباشي، وحرصه على الحضور الشخصي لتقديم واجب العزاء، تمثل رسالة تقدير بالغة الدلالة، تؤكد أن الدولة، في أعلى مستوياتها، لا تزال تمسك بخيط الوفاء لرموزها الوطنية، كما تعكس هذه الخطوة حسَّاً إنسانياً ومسؤوليةً أخلاقية، تعيد الاعتبار للأسماء التي صنعت الفرح الجماعي وأسهمت في تشكيل الوجدان الرياضي السوداني.

غير أن هذا المشهد الإنساني، على جماله، يفتح باباً مؤلماً للتساؤل حول واقع كثير من الرياضيين السودانيين والمبدعين في مختلف المجالات ممن كانوا يوماً ملء السمع والبصر والفؤاد، فإذا بهم اليوم يرزحون تحت وطأة الظروف القاسية، وتتضاعف معاناتهم في ظل التداعيات القاهرة للحرب، وضيق ذات اليد، وغياب الأطر المؤسسية التي تضمن لهم حياةً كريمة بعد الاعتزال.

إن تكريم الرموز بعد رحيلها يظل فعلاً ناقص الأثر ما لم يُستكمل بتكريمها في حياتها، والوقوف إلى جانبها وهي على قيد العطاء أو حتى بعد أن تضع أقدامها خارج المستطيل الأخضر، فالأوطان لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات عسكرية أو سياسية، بل بمدى وفائها لأبنائها الذين خدموها بإخلاص، ورفعوا اسمها عالياً في المحافل القارية والدولية.

رحل أبو داؤد جسداً في أم درمان، لكنه بقي سيرةً ومسيرةً، شاهداً على زمن جميل، وعلى معنى أن يكون الإنسان وفياً لوطنه حتى آخر العمر، وبين مبادرة العزاء ودعوة التوثيق، تلوح فرصة حقيقية لتحويل لحظة الحزن إلى مشروع وعي وذاكرة، يعيد للرياضة السودانية اعتبارها، ويؤكد أن الوفاء لا يجب أن يكون فعلاً عابراً، بل نهج دولة ومجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى