الأعمدة

النصري .. حين يغني الفنان ما لا يفهم

الشريف الحامدابي
كنت أعتقد أن فشل الفنان محمد النصري متعلِّق بالسياسة وحدها ، تلك التي يتغنَّى بأشعارها الوطنية والثورية ولا يعرف معناها .. ولا يعرف كيف يجعلها جزءاً من سلوكه وفعله اليومي .. حتى اكتشفت أن النصري فاشل أيضاً في العسكرية التي خدمها ، كما ذكر ، ثلاثة عشر عاماً .
وقف النصري أمام البرهان شاكياً ، وهو الذي ظل يردِّد على المسارح أغنيات تسخر من حكم العسكر وتهاجم نتائجه .. وكأنه كان يغنِّي كلمات لا يفهم معناها ، ولا يدرك مضامينها وقيمها وأفكارها . خاطب البرهان بصفته رئيساً للبلاد ، دون أن يسأل نفسه كيف أصبح البرهان رئيساً ، وبأي شرعية ؟ وبما أن شكواه عسكرية فقد كان الواجب أن يخاطبه بصفته ( القائد العام للقوات المسلحة ) .. وربما لا يعرف النصري ذلك ، من شدة جهله بالعسكرية التي قضى فيها ثلاثة عشر عاماً !
قدّم نفسه للبرهان كواحد من العساكر الذين عملوا سنوات طويلة في ( الفرقة 19 مروي ) ، وقال إنه أحيل للمعاش لأنه رفض الخروج في الثورة . وهذه الشكوى نأخذها من جزئين :
📌 الجزء الأول : اعتراف النصري بأنه رفض الخروج في الثورة .. والرفض ليس غياباً ولا عجزاً ولا ظرفاً طارئاً ، الرفض موقف واختيار وانحياز . وهذا تأكيد على أنه لم يكن يؤمن بشعاراتها ، ولا بمطالبها ، ولا بأهدافها ، ولا بسلميتها . وهو تأكيد كذلك على أن ما كان يغنيه من أشعار ثورية ووطنية لم يكن سوى وسيلة للحشد والتذاكر والكسب .. لم يكن يؤمن بما فيها ، بل كان يتعامل معها بانتهازية .. ناسياً أو متناسياً أن السوداني الذي رفض الثورة ، ورفض مطالبها ، ورفض أهدافها ، هو ( الكوز ) الذي يريد أن يحافظ على نظامه الفاسد والمجرم .. وبما أن النصري رفضها باعترافه فهو كوز ، وليس مجرد رجل يحتمي بصلاح قوش عندما تداهمه ( الدورية ) !
📌 الجزء الثاني : حديثه عن إحالته للمعاش بسبب الثورة . لا يعلم النصري أن الثورة مدنية ، وقادتها مدنيون ، وليس فيها مدني واحد يملك صلاحية عسكرية .. لا صلاحية ترقية ، ولا صلاحية فصل ، ولا صلاحية إحالة عسكري واحد للمعاش . الثورة لم تدخل القيادة العامة إلا معتصمة أمام أسوارها ، والثورة لم تجلس يوماً على مكتب تُعد فيه كشوفات الضباط والجنود ، والثورة لم توقّع في تاريخها على أمر عسكري واحد !
القرارات العسكرية من صميم عمل العسكر ، شركاء الفترة الانتقالية ، وليست من صميم عمل المدنيين . ظلَّت المؤسسة العسكرية طوال تلك الفترة شأناً خالصاً لقادتها .. هم من يعدّون الكشوفات ، وهم من يرفعونها ، وهم من يعتمدونها ، وهم من ينفذونها . ومخطئ من ظن أن مدنياً واحداً كان يملك أن يقدّم في هذا الأمر أو يؤخّر .
ولا يعلم النصري أن البرهان الذي يشكو إليه الفصل والإحالة هو نفسه القائد العام الذي يستقبل الكشوفات ، ويباشر الإجراءات ، ويصدر الأوامر النهائية في جميع القرارات العسكرية . يشكو النصري الثورة لمن أحاله ، ولمن انقلب عليها . ويتهم المدنيين بقرار وقّعه العسكر ، ويطلب الإنصاف من اليد التي فصلته .. وهذه وحدها تكفي دليلاً على أن ثلاثة عشر عاماً في العسكرية لم تعلّمه من يصدر الأمر ومن ينفذه !
كان يجب أن يكون النصري شجاعاً فيخاطب البرهان بصفته من أحاله للمعاش .. وأن يؤلِّف له أغنية جديدة يسأله فيها عن سبب الإحالة ، ويرفق بها خطاب استرحام يطلب فيه العودة ، ويستشهد فيه بمن يعرفون طاعته وولاءه !
النصري كعادته لم يكن يوماً قريباً من قضايا الوطن والمواطن ، لا في الولاية الشمالية ولا في السودان عامة . النصري قريب جداً من العسكر والكيزان ، يخدمهم خدمة الابن المطيع .. يتعامل مع ( الكاكي ) كساتر يتخفَّى خلفه ليكون مخرجه عندما يقع في مشكلة ، ومع سلطة الكيزان كأداة لزيادة المال والنفوذ والاستثمار الخاص . هكذا هم الكيزان .. يصنعون من فسيخ المجتمع شربات نجومية .
أخطر ما في الفنان أن يكون له وجهان .. وجه على المسرح ووجه في مكاتب السلطة . على المسرح يهاجم الظلم ، وفي الواقع يصافح الظالم . على المسرح يغنِّي للمقهورين ، وفي الواقع يجلس على موائد من قهرهم . على المسرح يسخر من حكم العسكر ويهاجم نتائجه ، وفي الواقع يقف أمامهم شاكياً ومستجدياً ومستعطفاً !
الأغنية التي لا يسندها موقف كذبة ملحّنة ، والقصيدة التي لا يصدّقها سلوك شهادة زور ، والفنان الذي يدعم السلطة في سلوكها وفعلها ثم يهاجمها في أغنياته لا يهاجمها في الحقيقة .. بل يبيع الغضب للجمهور ، ويبيع الولاء للسلطة ، ويقبض الثمن من الطرفين .
الجمهور الذي يصفِّق للأغنية الثورية يصفِّق لمعناها ، ولتضحيات من كتبوها ، ولدماء من آمنوا بها .. ولا يصفِّق لحنجرة تردِّد ما لا تعتقد . من الطبيعي والمنطقي أن يُسأل الفنان عن موقفه قبل صوته ، وعن فعله قبل لحنه ، وعن مكانه ساعة الظلم قبل مكانه ساعة الحفل . والنصري عندما سُئل بالفعل لا بالقول ، اختار صف السلطة .. واختار معه أن يواصل الغناء ضدها !
لم يقف النصري عند دمار ( النقل النهري ) ، ولا ( السكة حديد ) ، ولا ( مصنع كريمة للفاكهة والخضر ) ، ولا عند خراب الزراعة والصحة والتعليم . لم يقف في ( نفرات الجهد الشعبي ) ، ولا في المواكب والتروس والوقفات الاحتجاجية . لم يقف عند ( شهداء دال وكجبار ) ، ولا ( شهداء أمري والعرقوب ) ، ولا ( شهداء كريمة ) .. بل وقف على الدوام في صف من مارسوا القتل والتشريد والتنكيل بإنسان الولاية الشمالية ، والدمار والخراب لكل شيء فيها .
لم يقف مع أهل أمري عندما أُغرقوا بفتح بوابات السد ، ولا في لحظات تهجيرهم القاسية ، ولا في مطالبهم بإعادة التوطين والتعويضات العادلة ، ولا في اعتصامهم الأول ، ولا في الثاني المتعلِّق بـ ( دواجن النيل ) . ولم يقف معهم في مكافحة العقارب ، ولا في معركة توفير الحياة في ( الخيار المحلي ) . لكنه حضر في معية والي الولاية الشمالية العسكري ، كحقيبة من حقائبه ، ليشارك في افتتاح مدرسة قامت بالجهد الذاتي لمواطني أمري !
وقف وغنَّى وهو لا يعرف المكونات الاجتماعية لسكان المنطقة ولا قبائلهم .. غنَّى مفاخراً بالمنصوري في منطقة تتبع ( لقبيلة الشايقية ) . عندما ينظرون للإنسان يقولون ( منصوري ) ، وعندما ينظرون لمكان السد يقولون ( سد مروي ) .. ضحالة وعيهم تفضحهم ، وقلة درايتهم تعرِّيهم ، وتكشف أنهم قوم بلا معرفة بحقيقة إنسان المنطقة .
ثم جاءت الحرب .. والحرب لا تترك مساحة للمواقف الرمادية . والفنان الذي يقف مع الحرب يقف بالضرورة ضد المواطن ، لأن الحرب لا تقع على الخرائط ولا على البيانات العسكرية ، الحرب تقع على البيوت والأسواق والمستشفيات والمدارس ، وتقع على الأمهات والأطفال والشيوخ .
الفنان الذي يغنِّي للحرب ولمن أشعلوها ولمن يطالبون باستمرارها يتجاوز القتلى والجرحى والمفقودين ، ويتجاوز النزوح واللجوء والتشريد ، ويتجاوز الجوع والمرض والأوبئة ، ويتجاوز جيلاً كاملاً خارج فصول الدراسة ، ومدناً تحوَّلت إلى خراب وركام وأطلال . يتجاوز كل ذلك ليغنِّي للبندقية ، ويمجّد من يحملها ، ويطالب بمزيد من النار لبلد يحترق !
دور الفنان في الحرب أن يكون صوتاً للضحيَّة لا بوقاً للمدفع ، وأن يكون ضميراً للناس لا طبلاً للقادة . دوره أن يغنِّي للنازح واللاجئ والمشرّد ، وللأم التي فقدت ابنها ، وللطفل الذي فقد مدرسته ، وللمدينة التي فقدت أهلها .. لا أن يغني لمن صنعوا هذه المأساة ثم يقف أمامهم يشكو حاله الخاصة .
وهنا تكتمل الصورة .. بلد كامل ينزف ، وشعب كامل يدفع الثمن ، والنصري عندما وجد نفسه وجهاً لوجه مع قائد الجيش لم يحمل إليه وجع الناس ، ولم يسأله عن الحرب ، ولم يطالبه بإيقافها .. بل حمل إليه مظلمة وظيفته ومعاشه . هذا هو حجم الوطن عنده !
الفهم الذي يسكن عقل النصري لا يتجاوز فهم ( القونات ) ، وهم الذين قال فيهم حميد مخاطباً مصطفى سيد أحمد ، لهما الرحمة والمغفرة :
وين ماشي يا نبض الرحيق
تحت المغنين التفِل
غنياتُن الورطانة أو لوطانة
في الريق المقق
حتح ورق في طين زِبِل
أوصاف على جسد الحبيبة بهق بهق
تحت أحتماله مرضرضة
زي لعبة ما استهوت طِفِل
يا نهنهات متكبرتة ودنانا يترنح دغِل
أوطان بتتشايح عرَق
وإنسانا مجلور يشتغِل
ما ضرَّ من بعد الغرَق
جوف الضحية اذا انشرق
يا سيفي هوبي على الكتِل
وين ماشي يا قمر الهناء
الكرّمنا عن ساعة مرَق
سايب لياليك لي نجوم
واقفات وجوم على فد رِجِل
فرع الغنا الميَّل هنا
على مين وراك حا يتكِل
والشيل تِقِل
قدر اليشيلو الشيلة فِي
لكن ظروفن هل تَفِي ؟!!
نعم ، القادرون على حمل الأمانة موجودون ، لكن ظروف القمع والكبت والاستهداف ، والبنادق والمعتقلات والسجون ، تتربَّص بهم . أما أنت وأمثالك فلا تملكون القدرة ولا الإمكانيات لحملها .. وكما يقول المثل : ( الما بيعرف شيلك بملّخك ) ..
فكفى !

زر الذهاب إلى الأعلى