الأعمدة

البروفيسور عبد الله علي إبراهيم ..والاستاذ عبد الباسط سبدرات وقفزات الغراب الشائنة .

في احدى الأمسيات و ضمن سلسلة الأنشطة الثقافية لنادي الجالية السودانية بمدينة العين ..استضفنا البروفيسور عبد الله علي إبراهيم المفكر و الأكاديمي المعروف الذي كان في زيارة لدولة الإمارات العربية المتحدة وقتها ..وبحكم علاقتي باللجنة المنظمة للفعالية فقد اجلسوني عند المنصة إلى جانب المحاضر ونفر كريم من المحاورين لظننا أن الرجل سيتناول باستفاضة جل أو بعض القضايا السياسية والوطنية الملحة في تلك المرحلة الحرجة من عمر سلطة الإنقاذ لاسيما بعد انفصال الجنوب و تزايد تراجع الاقتصاد السوداني عسى أن يسعفنا بروفيسور عبدالله برأيه حول ذلك الحاضر الاليم و يستشرف لنا بفكره الثاقب مخرجا عبر نقطة ضوء في اخر نفق أزمة البلاد التي بدأ يشتد خناقها .
بيد أن الرجل ظل لساعتين تقريبا يتحدث لنا عن السحر عند أهله الرباطاب .
التفت إليه مستوقفا إياه لأساله عن رأيه حول أزمات السودان المعاصرة والانقاذ قد خلا كيس مشروعها الحضاري من كل مبررات الوجود .
فضحك الرجل ضحكة هروب واضح وحدجني بنظرة وكأنه يقول لي ..لا تجلب لنا الهواء الساخن يا ابن البرقاوي وهو على فكرة يعرف الوالد كجوع بطنه ويدرك صلابه مواقفه الوطنية إلى أن رحل عن الفانية ..علية الرحمة .
دارت الايام وعدت إلى السودان ..وفي ذات الليلة التي رحل فيها الدكتور الشيخ حسن الترابي ..اتصل بي صديقي الشاعر الدكتور كامل عبد الماجد يدعوني إلى محاضرة سيلقيها البروفيسور عبدالله ذاته ..وحينما جلست إلى جانب كامل بالسيارة كانت الإذاعة لا زالت تنعى الدكتور رحيل الترابي فتوجست خيفة أن نذهب الى مكان المحاضرة ونجد إعلانا بتاجيلها لعلمي ببوادر التعاطف والمودة التي بدأت تربط البروف عبد الله بجماعة التيار الاسلامي .
فحدثت كامل في أمر مخافي تلك و الذي أكد لي ان المحاضرة لن تؤجل وكأنه يستبطن أمرا لم يفصح عنه.
وحينما دلفنا الى قاعة المحاضرات ..فإذا بالبروف عبدالله يبدا محاضرته دون أن يشير بكلمة واحدة الى رحيل رجل بقامة الدكتور الترابي بغض النظر عن اتفاق الكثيرين أو اختلاف كثيرين معه وذلك امعانا في قدسية وحرمة الموت.
وكانت المفاجأة أن أعلن المحاضر أن عنوان ليلته سيكون السحر عند أهله الرباطاب .
انتهت المحاضرة التي تركت ملامح الدهشة وخيبة الامل الواضحة في وجوه المغادرين .
ولا حظت عند موقف السيارات ونحن نهم بالمغادرة أن الاخ كامل كان يحادث صديقه الاستاذ عبد الباسط سبدرات الذي خرج معنا من القاعة فاقتربت منهما وسالت سبدرات أن كان سيذهب صباحا لحضور تشييع شيخه الراحل الترابي وهو الذي تنعم بمناصب و مكاسب الإنقاذ طويلا ولكنه لوى شفتيه استخفافا بالسؤال هازا كتفيه قائلا ..وانا ما شأني به حتى اشيعه !
وحينما تماديت في ثقالة مضايقته أن عدت و سألته عمن يتوقع في خلافة الترابي ..أجابني في ضيق واضح ..يا خي فخار يكسر بعضه أن شاء الله دعنا منهم ..ومن ثم انصرف عنا!
هما نموذجان من المغادرين لاسوار اليسار تسلقا في حوائط الكيزان وتنصلا من ماضيهما ولكن كما يبدو دون اخلاص حقيقي لحاضرهما وبلا قناعة كنا سنحترمها لو كانت خالصة وصادقة .
وهو لعمري ما يثير الاستغراب حقا ..حينما يصبح الرجال كالغراب الذي حاول تقليد قدلة الطيور فلم يستطع فلو أراد أن يعود لمشيته القديمة سيكتشف أنه نسيها هي الاخرى فيظل يتقافز بتلك الصورة. الحركية الشائنة !

زر الذهاب إلى الأعلى