تمثل مدخلاً لحل المعضلة التي تواجه السودان،، الطاقة البديلة.. فرصة للتعافي والإنتاج..
الحرب ضاعفت الحاجة إلى بدائل مستدامة ..تداعيات.. مبادرة تدوير المخلفات إلى طاقة نظيفة.. حلول ومعالجات..

مراقبون: تحدّيات البيئة تتطلب التوسع في البدائل..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
يواجه السودان معضلة متفاقمة في توفير الطاقة، في ظل تداعيات الحرب التي ألحقت أضراراً بالبنية التحتية وأثقلت كاهل المواطنين بتكاليف المعيشة والإنتاج، الأمر الذي يفرض البحث عن بدائل عملية ومستدامة تتجاوز مصادر الطاقة التقليدية، وفي وقت تتجه فيه أنظار الحكومة إلى الطاقة الشمسية والرياح، تتجلى خيارات أخرى لا تقل أهمية، من بينها تحويل المخلفات العضوية إلى غاز حيوي وسماد عضوي، الأمر الذي يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، حيث تتحقق معالجة أزمة الطاقة، وتتم عملية حماية البيئة، وتتبلور فرص اقتصادية جديدة، وتأتي هذه الخيارات في سياق الاهتمام الذي حظيت به الطاقات البديلة والمتجددة خلال المؤتمر العلمي التخصصي الذي أقامته منظمة أساتذة الجامعات السودانية «ماجسو» بالتعاون مع جامعة أم درمان الأهلية في يوليو الماضي، إلى جانب مبادرات تسعى إلى نقل الأفكار البيئية من دائرة الطموح إلى التطبيق.
بدائل أكثر استدامة:

والواقع أن حرب الخامس عشر ممن أبريل 2023م والتي أشعلت ثقابها ميليشيا الدعم السريع، قد أعادت إلى الواجهة هشاشة منظومة الطاقة في السودان، وأظهرت الحاجة إلى تنويع مصادرها، خصوصاً في المناطق التي تعاني انقطاع الكهرباء أو ضعف الخدمات الأساسية، ويرى مختصون أن القضية لم تعد مرتبطةً بتوفير الكهرباء وحدها، بل تمتد إلى احتياجات الأسر من الوقود، والمزارعين في تشغيل أنظمة الري، والمشروعات الصغيرة التي تتوقف قدرتها على الإنتاج على توافر الطاقة وتكلفتها، وفي ظل هذه المعطيات، فإن مصادر الطاقة المتجددة، تكتسب أهمية متزايدة، لما تتيحه من فرص لتقليل الاعتماد على الشبكات المركزية والوقود التقليدي، متى توافرت التقنيات المناسبة والتمويل والصيانة.
مؤتمر «ماجسو»:

وشكّل المؤتمر العلمي التخصصي حول الطاقات البديلة والمتجددة، الذي استضافته جامعة أم درمان الأهلية موخراً، مساحةً للنقاش حول إمكانات تطوير مصادر الطاقة النظيفة ومعالجة التحديات التي تواجه قطاع الطاقة في السودان، المؤتمر الذي حظي بمشاركة باحثين وخبراء، إلى جانب مشاركات دولية عبر تقنية الاتصال المرئي من الصين وتركيا، ناقش نحو 35 ورقة بحثية محكّمة تناولت جوانب من تكنولوجيا الطاقة النظيفة وفرص توطينها، كما صاحبت الفعاليات عروض متخصصة لشركات وطنية استعرضت مبادرات في صناعة الخلايا الشمسية وتطبيقات الغاز الحيوي، وقد تضمنت مخرجات المؤتمر الدعوة إلى إدماج الطاقة المتجددة في المناهج التعليمية، وتعزيز البحث العلمي المرتبط باحتياجات المجتمع، والعمل على توطين الصناعات والتقنيات ذات الصلة.
مبادرة حيوية:
وكانت الإعلامية «سعاد ريمة إدريس» قد أطلقت مبادرة «من المخلفات إلى طاقة نظيفة»، حيث قدمت هذه المبادرة نموذجاً لفكرة تقوم على إعادة النظر في المخلفات العضوية، لا بوصفها مواد يجري التخلص منها فحسب، وإنما مورداً يمكن استثماره في إنتاج الطاقة وتحسين التربة الزراعية، وتعتمد الفكرة على الاستفادة من مخلفات الطعام والمخلفات الزراعية وروث الحيوانات، وفق المعالجة الفنية المناسبة، لإنتاج الغاز الحيوي الذي يمكن استخدامه في بعض الاحتياجات المنزلية والإنتاجية، إلى جانب الاستفادة من المواد المتبقية بعد المعالجة في إنتاج السماد العضوي، وفق الاشتراطات الصحية والفنية، وتتيح هذه المقاربة وفق مختصين وبجانب توفير الطاقة، فرصةً لتحسين إدارة المخلفات وتقليل تراكمها العشوائي، والحد من بعض مصادر التلوث، فضلاً عن دعم الزراعة بمدخلات يمكن إنتاجها محلياً، كما تفتح المبادرة الباب واسعاً أمام أنشطة اقتصادية صغيرة تشمل جمع المخلفات وفرزها ومعالجتها وإنتاج الغاز الحيوي والسماد، بما قد يوفر فرصاً للعمل والدخل للشباب والنساء والمجتمعات المحلية.
البيئة ومعركة التعافي:
وتؤكد رؤية المبادرة أن حماية البيئة لا ينبغي أن تنتظر توقف الحرب، لأن تداعيات الصراع تتجاوز الدمار المادي إلى الضغوط التي تواجه الخدمات الأساسية والقدرة على إدارة النفايات والحفاظ على صحة الإنسان، وتقول الأستاذة «سعاد ريما إدريس»، صاحبة مبادرة «من المخلفات إلى طاقة نظيفة»، إن مبادرتها تنطلق من الإيمان بأن المخلفات يمكن أن تتحول، إذا أُحسن التعامل معها واستثمارها، إلى مورد اقتصادي وبيئي يسهم في تحسين حياة المواطنين، وأكدت ريمة في إفادتها للكرامة، أن الهدف من المبادرة يتمثل في نشر ثقافة التعامل المسؤول مع المخلفات، وتعريف المجتمع بالحلول التي تتيح الاستفادة منها في إنتاج الغاز الحيوي والسماد العضوي، بما يساعد على تلبية بعض الاحتياجات اليومية ودعم الأنشطة الزراعية والإنتاجية، وتشير رؤيتها إلى أن توقيت المبادرة يكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، حيث تتزايد الحاجة إلى حلول عملية وميسورة التكلفة، تساعد الأسر والمجتمعات على استعادة قدرتها على الإنتاج والتعامل مع تحديات البيئة والخدمات، وتلفت الإعلامية «سعاد ريمة» إلى أن تراكم المخلفات بصورة عشوائية قد يفاقم المشكلات الصحية والبيئية، لا سيما عندما تتراجع خدمات جمع النفايات ومعالجتها، مؤكدة أهمية نشر الممارسات السليمة التي تحول المخلفات من مصدر للتلوث إلى مورد نافع، منوهة إلى أن مبادرة «من المخلفات إلى طاقة نظيفة» تدعو إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والجهات المختصة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لتطوير الحلول المناسبة وتوسيع نطاق الاستفادة منها، مع توفير التدريب والتمويل والتوعية اللازمة.
مشروع وطني:

على الرغم من الفرص التي تتيحها الطاقة المتجددة وتطبيقات تحويل المخلفات، فإن توسيع استخدامها في السودان يواجه تحديات تتعلق بتكلفة المعدات، وتوافر التمويل، وضعف البنية التحتية في بعض المناطق، والحاجة إلى الكوادر الفنية القادرة على التشغيل والصيانة، ويتطلب تجاوز هذه العقبات وضع برامج تمويل تناسب الأسر والمزارعين والمشروعات الصغيرة، وتشجيع الاستثمار في تصنيع المعدات محلياً، وتطوير شراكات بين الجامعات والقطاع الخاص لتجريب التقنيات وتقييم جدواها قبل تعميمها، ويضاف إلى ذلك أهمية التوعية المجتمعية بحيث يتحول مفهوم الطاقة النظيفة من قاعات المؤتمرات والندوات، إلى ممارسة عملية في الأحياء والقرى والمزارع.
خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. تبدو الحاجة ملحةً في بلد ما زال يتنفس بارود الحرب، إلى حلول تجمع بين تخفيف أعباء المواطنين، وإعادة تنشيط الإنتاج وحماية البيئة، فالطاقة الشمسية، والغاز الحيوي ليست بدائل متنافسة بالضرورة، بل خيارات يمكن أن تتكامل وفق موارد السودان واحتياجات مناطقه المختلفة، ويمنح مؤتمر «ماجسو» هذه القضية سنداً علمياً، فيما تقدم مبادرة «من المخلفات إلى طاقة نظيفة» مثالاً على إمكانية تحويل الأفكار البيئية إلى مسارات عملية تستحق الدراسة والتطوير.



