
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
كنت دائماً شغوفاً بقراءة أدب الرحلات، وربما أجد نفسي يوماً، إذا أمدّ الله في العمر، أسطر بعضاً من تجاربي التي حملتني إلى آسيا وأوروبا وعدد من البلدان العربية والأفريقية.
زرت الهند مرات عدة، وهي بلد قارة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هناك ترى ازدحاماً لا يكاد يوصف، وشوارع تموج بمختلف وسائل النقل والدواب والبشر، حتى يخيل إليك أن العالم كله قد اجتمع في مكان واحد.
غير أن أكثر ما يشد الزائر للهند هو تناقضاتها المدهشة؛ فإلى جوار مظاهر الثراء الفاحش تقف صور الفقر المدقع، وإلى جانب التطور التقني والحضارة العريقة ترى مشاهد تثير الأسى والأسئلة معاً. فالهند لوحة واسعة تختلط فيها الألوان المتناقضة بصورة قلما تجد لها مثيلاً.
في عام 1977 كانت زيارتي الأولى لذلك البلد. استأجرنا أنا وصديقي عبد المنعم سيارة من مدينة بونا إلى مومباي. وقبل انطلاقنا تقدم شاب هندي بدا من أبناء الأسر الميسورة، وطلب أن يشاركنا الرحلة لأنه مرتبط باجتماع مهم في مومباي، على أن يدفع نصيبه من الأجرة. رحبنا به دون تردد.
وفي منتصف الطريق توقفنا لتناول الغداء، فدعونا الشاب والسائق إلى مائدتنا. وعندما جاء وقت الحساب سأل عن نصيبه، فقال له صديقي عبد المنعم مبتسماً:
ـ عيب… نحن سودانيون.
ومضت الرحلة حتى اقتربنا من مومباي، فاستأذننا الشاب في أن توصله السيارة إلى منزله القريب من مدخل المدينة ليبدل ملابسه ويأخذ سيارته الخاصة. وعند بوابة منزل فخم نزل، وسدد نصيبه للسائق، ثم انصرف دون كلمة شكر أو حتى دعوة إلى كوب ماء.
بعد أن تحركنا، أخذ السائق يهز رأسه ضاحكاً على طريقته الهندية، ثم قال بإنجليزية مكسرة ساخرة:
ـ لا تستغربوا… فنحن هنود!
لكن الصورة لم تكن كلها كذلك.
ففي عام 1979، وخلال زيارتي الثانية، كنت برفقة هاشم والطيب من السودان، وصديقنا اليمني عبد اللطيف. وصلنا إلى محطة مومباي الرئيسية قبل دقائق معدودة من موعد تحرك القطار المتجه إلى دلهي. وكان الزحام شديداً أمام شباك التذاكر، فكدنا نفقد الأمل في اللحاق بالرحلة.
عندها تقدم إلينا فتى لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وعرض أن يحضر لنا التذاكر بسرعة. دفعنا له ثمن أربع تذاكر بدرجة النوم، وتسلمناها بالفعل قبل تحرك القطار بلحظات.
غير أن المفاجأة وقعت بعد مسافة قصيرة من انطلاق الرحلة، حين جاء من يطالبنا بالنزول لأن صلاحية التذاكر تنتهي عند المحطة التالية. عندها اكتشفنا أننا تعرضنا لخدعة؛ فقد اشترى لنا الفتى تذاكر محلية زهيدة الثمن واستولى على بقية المبلغ.
حاولنا شرح الموقف للمسؤولين، واستدعينا المفتش ومدير الرحلة، لكن الجميع تمسك باللوائح ورفض مجرد التفاوض لإيجاد حل.
وفي خضم ذلك الموقف الصعب، نهض رجل سيخي مهيب الهيئة من بين الركاب، وقال بصوت سمعه الجميع:
ـ أقسم بشرفي أن هؤلاء الشباب لن ينزلوا من القطار إلا على جثتي.
ثم التفت إلى المسؤولين والركاب قائلاً:
ـ لقد عملت تاجراً في أوغندا، وزرت السودان مرات كثيرة، وعرفت عن أهله الأمانة والكرم وحسن المعاملة. شعب يقوم فيه الناس من مقاعدهم للضيف، ولا يتركون زائرهم يدفع من جيبه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فكيف يُعقل أن يُعامل أبناؤه بهذه الصورة وهم ضحايا عملية احتيال واضحة؟
كان لكلماته وقع كبير. وبعد نقاش طويل تم حل المشكلة بسداد فرق التذاكر وتوزيعنا على مقاعد متفرقة داخل القطار. أما هو فقد تكفل بحراسة أمتعتنا حتى وصلنا إلى دلهي في صباح اليوم التالي.
ولم يكتف بذلك، بل أصر على أن نستريح يوماً كاملاً في فندق يملكه شقيقه دون مقابل، إلى أن حضر صديقنا نور الدين من السفارة السودانية، فأكمل هو الآخر واجب الضيافة مع عروسته وقتها اسماء بما عرف به السودانيون من كرم وأصالة.
حينها أدركت أن السفر لا يعرّفنا بالآخرين فحسب، بل يعرّفنا بأنفسنا أيضاً. فنحن كثيراً ما نرى صورتنا الحقيقية منعكسة في عيون من عرفونا وخبروا أخلاق أهلنا.
وقديماً قالوا إن فوائد السفر خمس، لكنني أعتقد أن لنا نحن السودانيين فائدة إضافية لا تقل أهمية عن سواها؛ وهي أن نتعرف إلى أنفسنا من خلال ما تركه أبناء وطننا من أثر طيب في نفوس الآخرين، وأن ندرك أن السمعة الحسنة رأس مال لا يقدّر بثمن، يحمله المرء معه أينما حل وارتحل.



