ليه كده يا مصر؟!.. الطيران الحربي يفتح جرحاً في جسد العلاقات السودانية المصرية.. من يحاسب على دماء المعدّنين السودانيين؟!



ليه كده يا مصر؟!.. سؤال موجع، يتجاوز حدود الغضب والعتاب، ليطرق أبواب القيادة السياسية والعسكرية في البلدين، ويضع العلاقات السودانية المصرية أمام اختبار بالغ الخطورة، بعد ما أُثير حول قصف الطيران الحربي المصري لمعدّنين سودانيين، وما ترتب على ذلك من سقوط قتلى واحتراق وتدمير، وفق المعلومات المتداولة والبيانات الصادرة بشأن الحادثة.
إن العلاقات السودانية المصرية، بما تحمله من روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، لم يكن ينبغي أن تصل إلى مرحلة تُزهق فيها أرواح سودانيين بهذه الصورة المأساوية، دون أن تستنفد كل وسائل التنسيق والتفاهم والمعالجة الأمنية والدبلوماسية. فحياة الإنسان ليست أمراً هيناً، وحرمة النفس البشرية مبدأ راسخ في الشرائع السماوية والقوانين الإنسانية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها تفصيلاً عابراً في حسابات الأمن والحدود.
نحن لا نتحدث هنا عن إلغاء حق الدول في حماية حدودها وصون أمنها القومي، ولا عن منح أي جهة حصانة لمجرد أنها سودانية أو مصرية، وإنما نتحدث عن التناسب في استخدام القوة، وعن المسؤولية في اتخاذ القرار، وعن ضرورة التمييز بين نشاط تعديني غير مشروع، إن ثبتت مخالفته للقانون، وبين تهديد عسكري مباشر يستدعي التعامل معه بالقوة المميتة.
فإذا كانت السلطات المصرية ترى أن المعدّنين السودانيين تجاوزوا الحدود، أو خالفوا القوانين المنظمة للنشاط التعديني، أو تجاهلوا التحذيرات التي تقول إنها وجّهتها إليهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت الضربة الجوية، بما قيل عن حصيلتها البشرية والمادية، هي الخيار الوحيد المتاح؟ وهل استُنفدت وسائل الإنذار والاحتواء والقبض والتحقيق والتنسيق مع السلطات السودانية قبل اللجوء إلى الطيران الحربي؟
إن وجود مخالفة محتملة لا يعني تلقائياً أن العقوبة المميتة أصبحت مبررة، كما أن حماية الحدود لا تعني أن حياة الإنسان تصبح بلا قيمة. فلكل دولة حق مشروع في حماية سيادتها، لكن هذا الحق يجب أن يُمارس في إطار القانون، وبما يتناسب مع طبيعة الخطر الفعلي، لا بمجرد افتراضه أو الاستناد إلى مبررات عامة لا تكفي وحدها لتفسير حجم الخسائر البشرية.
كان بالإمكان، إذا كانت القضية تتعلق بالتعدين غير المشروع أو عبور الحدود، أن تُعالج عبر قنوات أمنية مشتركة، وتنسيق مباشر بين الأجهزة المختصة في البلدين، مع اتخاذ التدابير القانونية اللازمة بحق المخالفين. فالسودان ومصر دولتان متجاورتان، وتربطهما مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية متشابكة، وكان الأجدر أن تكون هذه الروابط جسراً لمعالجة الأزمة، لا أن تتحول إلى خلفية لمشهد دموي يثير الأسئلة والاحتقان.
أما إذا كانت هناك معلومات موثقة عن تهديد عسكري حقيقي، أو نقل أسلحة وعتاد حربي، أو نشاط يشكل خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، فهذه مسألة مختلفة تستوجب عرض الأدلة وتوضيح طبيعة التهديد، حتى يتسنى للرأي العام فهم الملابسات وتقييم مدى مشروعية الإجراءات التي اتُّخذت. أما أن يُترك الناس أمام روايات متباينة ومبررات عامة، بينما تتردد أنباء عن سقوط عشرات القتلى، فذلك لا يغلق باب الأزمة، بل يفتحه على مصراعيه.
إن الفارق كبير بين حماية الأمن القومي وبين أن تتحول المعالجة الأمنية إلى مأساة إنسانية تستوجب المساءلة والتحقيق. فالأمن الحقيقي لا يقوم على القوة وحدها، وإنما على الحكمة، والقدرة على تقدير العواقب، واحترام حياة المدنيين، وتجنب التصعيد الذي قد يترك آثاراً أعمق من الحادثة نفسها.
والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية: ما قيمة البيانات والتصريحات التي تصدر بعد سقوط الضحايا، إذا لم تتبعها إجراءات واضحة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات وتمنع تكرار ما حدث؟ إن البيانات الحكومية، مهما كانت لغتها مطمئنة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن التحقيق الجاد، ولا أن تطوي صفحة الدماء قبل أن يعرف الناس حقيقة ما جرى.
لقد أصدرت الحكومة السودانية بياناً دعت فيه إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادثة، وهي خطوة ينبغي أن تتحول إلى عمل جاد وشفاف، بالتنسيق مع الجانب المصري، للوصول إلى الوقائع كاملة: أين وقع القصف تحديداً؟ وما طبيعة النشاط الذي كان يمارسه المعدّنون؟ وما التحذيرات التي وُجهت إليهم، إن ثبت توجيهها؟ وما مستوى الخطر الذي استدعى استخدام الطيران الحربي؟ وكم عدد القتلى والمصابين؟ وهل جرى التحقق من هويات الضحايا والظروف التي أحاطت بمقتلهم؟
هذه ليست أسئلة للتشكيك المجرد أو لإشعال العداء بين الشعبين، وإنما هي أسئلة واجبة في أي حادثة تسقط فيها أرواح بشرية نتيجة استخدام القوة العسكرية. ومن حق أسر الضحايا أن تعرف كيف قُتل أبناؤها، ومن حق الشعب السوداني أن يحصل على إجابات واضحة، ومن حق الشعب المصري أيضاً أن يعرف حقيقة ما جرى، بعيداً عن الشائعات والمزايدات والتوظيف السياسي.
كما أن الاعتراف بوقوع الضربة، إن كان ثابتاً في البيان المصري المشار إليه، لا يعني وحده أن جميع ملابساتها قد اتضحت، ولا يحسم تلقائياً مسألة مشروعيتها أو مدى تناسبها مع طبيعة الخطر. فهذه أمور ينبغي أن يفصل فيها تحقيق مهني مستقل، يستند إلى الأدلة والشهادات والوقائع الميدانية، لا إلى الانطباعات أو التبريرات المسبقة.
لكن، ماذا بعد؟!
هل تنتهي القضية عند تبادل البيانات، وتُترك أسر القتلى لمواجهة الفقد والوجع وحدها؟ وهل يُطلب من الشعب السوداني أن يتجاوز ما حدث دون تحقيق واضح ومحاسبة عادلة إن ثبت وقوع تجاوزات؟ وهل تستطيع العلاقات بين البلدين أن تستعيد عافيتها إذا ظلت الأسئلة معلقة، والحقائق غائبة، والمسؤوليات غير محددة؟
إن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى على المجاملات الرسمية وحدها، ولا تحميها التصريحات الدبلوماسية إذا شعر المواطن بأن دمه قد أُهدر دون إنصاف. فالصداقة بين الدول تُختبر عند الأزمات، وحسن الجوار يظهر في كيفية معالجة الخلافات، لا في الاكتفاء بتأكيد عمق الروابط التاريخية بعد وقوع المأساة.
ومصر ليست مجرد دولة تجاور السودان على الخريطة، والسودان ليس مجرد امتداد جغرافي لمصر؛ إنهما بلدان تجمعهما حدود طويلة، ومصالح مشتركة، وملفات أمنية واقتصادية ومائية شديدة الحساسية. وفي محيط إقليمي مضطرب، لا يحتاج البلدان إلى أزمة جديدة تزرع الشكوك بين شعبيهما، أو تمنح المتربصين بالعلاقة فرصة لاستغلال الغضب وتوسيع هوة الخلاف.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي من القيادتين السياسية والعسكرية في البلدين التحرك العاجل، لا لاحتواء الغضب إعلامياً فحسب، وإنما لمعالجة جذور الأزمة، وضمان كشف الحقيقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، والنظر في حقوق أسر الضحايا وتعويضها حيثما ثبت استحقاق ذلك، ووضع آلية مشتركة تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وعلى الجانب السوداني ألا يكتفي بإصدار بيان أو إعلان تشكيل لجنة، بل عليه متابعة الملف حتى نهايته، وتوفير ما يلزم من معلومات وأدلة، والدفاع عن حقوق مواطنيه عبر القنوات الرسمية والقانونية، دون تهوين من أرواح الضحايا أو اندفاع نحو تصعيد يضر بمصالح الشعبين. كما أن الجانب المصري مطالب بالتعاون الكامل مع التحقيق، وتقديم ما لديه من معلومات وأدلة بشأن ملابسات العملية وأسباب اللجوء إلى القوة الجوية.
لسنا دعاة قطيعة مع مصر، ولا أنصاراً للعداء بين شعبين تجمعهما روابط ممتدة، لكننا أيضاً لسنا مع الصمت على إزهاق الأرواح، أو تمرير الوقائع المؤلمة دون مساءلة. فالمطالبة بالحقيقة ليست إساءة إلى مصر، والتحقيق في مقتل سودانيين ليس استهدافاً للشعب المصري، وإنما هو واجب تجاه الضحايا، وصون للعلاقات من التآكل تحت وطأة الغضب وانعدام الثقة.
يا قيادة مصر السياسية والعسكرية.. ويا قيادة السودان، دماء السودانيين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه ببيان، وأمن مصر ليس مبرراً لإغلاق باب الأسئلة، والعلاقات التاريخية ليست حصانة لأي قرار من النقد والمراجعة.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، ولا توزيع صكوك البراءة والإدانة قبل ظهور نتائج التحقيق، بل كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، ووضع ضمانات عملية تمنع تكرار المأساة.
فإذا ثبت أن استخدام القوة المميتة لم يكن ضرورياً أو متناسباً مع الخطر القائم، فلا بد من المساءلة القانونية المناسبة. وإذا كشفت التحقيقات عن وقائع أخرى، فيجب إعلانها بالأدلة والشفافية، حتى لا تظل القضية رهينة للروايات المتضاربة.
ليه كده يا مصر؟!.. سؤال سيظل قائماً حتى تظهر الحقيقة.
فهل تنتصر الحكمة، وتُصان الأرواح، وتُعالج الأزمة بما يحفظ كرامة السودانيين وأمن المصريين وحقوق الشعبين؟ أم تُترك القضية لتتحول إلى جرح مفتوح في علاقة يفترض أن تقوم على الثقة والتعاون وحسن الجوار؟
إن التاريخ وحده لا يحمي العلاقات، والشعارات وحدها لا تصون الدماء. الذي يحميها هو العدل، والوضوح، واحترام القانون، والاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تقع المأساة.
فلتكشف التحقيقات الحقيقة، ولتكن العدالة هي الفيصل، حتى لا يصبح دم المعدّنين السودانيين صفحة أخرى من الألم في سجل العلاقة بين بلدين لا مصلحة لشعبيهما في الخصومة، ولا مستقبل لهما في ظل غياب الثقة والإنصاف.



