الأعمدة

بعد أن فقد زمام المبادرة… البرهان يطرق أبواب واشنطن من جديد!

علاء محمد عبدالرحيم.
■ لم تكن الرسالة التي أعلن عبد الفتاح البرهان، الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، أنه بعث بها إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مجرد مراسلة دبلوماسية عابرة، وإنما تطوراً سياسياً ينبغي قراءته في سياق الضغوط الأمريكية المتصاعدة التي حاصرته خلال الأسابيع الماضية. فقد أعلن البرهان التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد حكومته للعمل بحسن نية مع جميع الأطراف لتحقيق سلام عادل ودائم يحفظ سيادة البلاد ووحدتها وكرامة شعبها. وهي عبارات تبدو مألوفة في الخطاب الدبلوماسي، لكنها تكتسب دلالات مختلفة حين تصدر عن قائد الجيش الذي دخل قبل أسابيع في مواجهة سياسية مع واشنطن بشأن المبادرة الأمريكية لإنهاء الحرب. والسؤال هنا ليس ماذا كتب البرهان إلى ترمب فحسب، وإنما لماذا اختار أن يكتب إليه الآن، وبعد كل ما جرى؟ وهل يحمل الرجل مبادرة حقيقية للسلام، أم يبحث عن مخرج سياسي من مأزق باتت خياراته فيه تضيق يوماً بعد آخر؟
■ ولعل العودة إلى واقعة التأشيرة الأمريكية في سبتمبر الماضي تفسر الكثير مما يجري اليوم. ففي ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦، كشفت وكالة رويترز أن واشنطن ربطت إصدار تأشيرة دخول البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقفه من مقترح الهدنة الإنسانية لمدة ٩٠ يوماً. ثم جاء بيان الخارجية الأمريكية ليعلن أن القوات المسلحة والدعم السريع وقيادتيهما لا يمثلون حكماً دستورياً شرعياً للسودان، وأن الولايات المتحدة لن تتردد في رفع كلفة استمرار الحرب. وكنا قد ذهبنا، منذ تلك الواقعة، إلى أن واشنطن وضعت البرهان في ركن سياسي ضيق، وأن أيامه في السلطة ربما أصبحت معدودة جداً، حتى وإن تعذر تحديد موعد نهايتها. غير أننا أشرنا أيضاً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون حريصة على الإبقاء على قنوات التعامل معه مؤقتاً، لا رغبة في استمراره حاكماً، وإنما خشية أن يؤدي إبعاده المفاجئ، دون ترتيبات انتقالية محكمة، إلى اضطراب المؤسسة العسكرية وانفراط عقد الجيش السوداني، بما يفتح أبواب البلاد أمام فوضى أشد خطورة. فهناك فارق جوهري بين الحفاظ على الجيش باعتباره مؤسسة وطنية يجب إصلاحها، وبين الحفاظ على البرهان باعتباره قائداً سياسياً وعسكرياً.
■ واللافت أن رسالة البرهان جاءت بعد أقل من شهر من ذلك التصعيد، وبعد تصريحات اتسمت بالتحدي ورفض الضغوط الأمريكية، وبعد اعتراضات مستشاره أمجد فريد على مقترح الهدنة، وتحذيره من أنه قد يقود إلى تقسيم السودان. فما الذي تبدل خلال هذه الأسابيع القليلة حتى ينتقل البرهان من لغة الاعتراض إلى مخاطبة ترمب مباشرة، مؤكداً استعداده للتعاون مع الجهود الأمريكية؟ إن تفسير هذا التحول لا ينفصل، في تقديرنا، عن إدراك البرهان أن مواجهته مع واشنطن وصلت إلى حدود يصعب تجاوزها دون أثمان سياسية باهظة. ولعل اختياره مخاطبة الرئيس الأمريكي شخصياً يمثل محاولة لفتح نافذة في جدار الأزمة، وربما تجاوز الجمود الذي أصاب علاقته بالمسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف السوداني. لكن الرسالة، بصيغتها المعلنة، لم تتضمن قبولاً صريحاً بالهدنة، ولا تعهداً محدداً بتنفيذ شروطها، ولا موقفاً واضحاً من الانتقال المدني. ولذلك يظل السؤال قائماً؛ هل تغير موقف البرهان فعلاً، أم تغيرت فقط اللغة التي يعبر بها عن موقفه؟
■ أما كيف سيكون الرد الأمريكي، فإن قراءة المواقف المعلنة لواشنطن ترجح احتمال الترحيب الدبلوماسي الحذر بالرسالة، دون منح البرهان مكاسب سياسية مجانية أو التراجع عن الموقف السابق من شرعية قيادته. وقد يأتي الرد عبر الخارجية الأمريكية أو مسعد بولس، مطالباً بقبول واضح وغير مشروط بالهدنة الإنسانية لمدة ٩٠ يوماً، ووقف العمليات العسكرية ضد المدنيين، وتأمين وصول المساعدات، والموافقة على آليات مراقبة فعالة، تمهيداً لمسار سياسي ينتهي بحكومة مدنية مستقلة عن طرفي الحرب. فواشنطن تستطيع التفاوض مع البرهان باعتباره القائد الفعلي للجيش، دون أن تعترف له بحق الاستمرار في حكم السودان. وربما كان هذا هو جوهر المعادلة الأمريكية المحتملة؛ الإبقاء على التواصل معه بالقدر الذي يسمح بإنجاز وقف الحرب والمحافظة على تماسك المؤسسة العسكرية، دون تقديم ضمانات لمستقبله السياسي. فالمطلوب ليس انهيار الجيش ولا تسليم البلاد للمليشيات، وإنما إنهاء الحرب، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي، وإعادة بنائها جيشاً وطنياً مهنياً واحداً تحت سلطة مدنية دستورية، بعيداً عن نفوذ الحركة الإسلامية وشبكات المصالح التي ساهمت في تقويض الدولة السودانية.
■ إن السودان لا يحتاج إلى تسوية تنقذ البرهان من مأزقه، وإنما إلى سلام ينقذ شعبه ودولته من الكارثة التي أوقعتهما فيها الحرب. وإذا كانت واشنطن قد اختارت الإبقاء على قنوات التواصل مع قائد الجيش خشية انفراط عقد المؤسسة العسكرية، فذلك لا يعني بالضرورة أنها اختارت المحافظة عليه في السلطة. والأهم من ذلك كله أن البرهان، مهما قال أو فعل، يبدو في تقديرنا أنه فقد زمام المبادرة السياسية تماماً، وأن واشنطن أصبحت الطرف الأكثر تأثيراً في تحديد مسار المبادرة المطروحة وشروطها واستحقاقاتها. ولم يعد أمام قائد الجيش، في مواجهة المقترح الأمريكي، سوى أن يعلن قبوله أو رفضه، ويتحمل النتائج السياسية المترتبة على قراره. أما الخطوة التالية، فقد أصبحت الأنظار تتجه إلى واشنطن لمعرفة طبيعتها وتوقيتها وما يمكن أن يترتب عليها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالبرهان الذي ظل يتحدث باسم السيادة الوطنية ويرفض الإملاءات الخارجية، يجد نفسه اليوم أمام مبادرة لا يملك تحديد قواعدها، ومسار لا ينفرد برسم نهاياته، وقرار أمريكي ينتظر الجميع ما سيترتب عليه. لقد انتقلت المبادرة من يده، ولم يعد السؤال ماذا يريد البرهان من واشنطن، بل ماذا ستفعل واشنطن إذا لم يستجب البرهان لما تريده؟ أما الذين نصحوا البرهان بالصمود حتى يناير المقبل، مراهنين على استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس، وما يعتقدونه من أن فترات حكمهم شهدت تعاوناً أكبر مع الإسلاميين، فقد أغفلوا حقيقة أن ترمب سيظل في البيت الأبيض، وأن إدارة بايدن الديمقراطية نفسها فرضت عقوبات على البرهان في يناير ٢٠٢٥. فتغيّر الأغلبية في الكونغرس لا يعني بالضرورة تغيّر السياسة الأمريكية تجاه السودان، ولا يضمن تخفيف الضغوط المفروضة على قائد الجيش. ولعل رسالة البرهان الأخيرة إلى ترمب تكشف أن رهانات الانتظار بدأت تتهاوى أمام واقع سياسي جديد؛ فالرجل الذي نصحوه بالصمود حتى تتغيّر واشنطن، عاد يطرق أبوابها بنفسه، بعد أن فقد زمام المبادرة، وأصبح ينتظر منها تحديد الخطوة التالية، بدلاً من أن يكون هو من يفرض شروطها.

زر الذهاب إلى الأعلى