
اسامة كنينة
لم تعد السماء في الخرطوم مساحة للأمل أو حتى لترقب المطر، بل تحولت إلى غطاء داكن من الرعب، يئن تحت وطأة أسراب المسيّرات الانقضاضية التي باتت تغزو العاصمة على نحو غير عادٍ. هذا التحول المرعب في مسار الحرب السودانية لم يعد مجرد استعراض تكنولوجي بين القوى المتصارعة، بل إعلان صريح عن مرحلة جديدة من الجحيم، يدفع ثمنها المواطن الأعزل من دمه واستقراره النفسي.
إن ما تشهده العاصمة اليوم يمثل ذروة المعضلة العسكرية والإنسانية؛ فهذه التكنولوجيا العسكرية الخبيثة مصممة بذكاء يلتف على الرادارات ويخترق التحصينات، لكنها في المقابل تجرد المدنيين من أي فرصة للنجاة. إنها أسلحة انتحارية تحمل الموت في رحلة ذهاب بلا عودة، وتضع السكان أمام معادلة صفرية مريرة: فإما أن تصل المسيّرة إلى هدفها العسكري وتحدث دماراً هائلاً، وإما أن يتم التصدي لها وإسقاطها، لتتحول في الحالتين إلى كتلة لهب وشظايا متفجرة تتساقط فوق رؤوس الأبرياء في أحيائهم ومنازلهم.
هذا السلاح بات يقوم بوظيفة تعجز عنها كتائب المشاة البرية؛ فهو لا يعرف خطوط مواجهة، ولا يحترم مناطق محايدة. لقد تحولت غرف النوم، والأسواق المكتظة، والمستشفيات المتهالكة إلى أهداف محتملة تحت رحمة طنين متواصل لا يهدأ، يمزق السكينة ويخلف صدمات نفسية غائرة في نفوس الأطفال والعائلات. ومع كل سرب جديد يلوح في الأفق، تتفاقم المعاناة الإنسانية، وتتحول الخرطوم رغماً عنها إلى ساحة اختبار مفتوحة لأقسى تكنولوجيات الموت عن بُعد، في ظل عجز دولي وصمت يطبق على أنفاس المدينة المكلومة.
إن هذا التصعيد الجوي المتسارع—الذي يتنقل بين غارات تطال الأسواق المكتظة وأسراب مسيّرات تخترق الأحياء السكنية—يؤكد أن هذه الحرب باتت تدار بمنطق القوة المجرّدة التي لا تقيم وزناً للأرواح. وفي غمرة هذا الموت المتطاير، يغيب عن المشهد الحقيقة الأكثر وجعاً: أن الضحايا في كل شبر من هذه الأرض هم سودانيون، يتقاسمون الخوف والألم ذاته تحت سماء واحدة. إن استمرار هذا النزاع العبثي ليس سوى استنزاف ممتد لإنسان السودان ومستقبله، وتأكيد متجدد على أن المخرج الوحيد لإنقاذ ما تبقى من هذه البلاد لا يكمن في حسم عسكري يُبنى فوق الأنقاض، بل في الوقف الفوري والكامل للحرب، وإعلاء حرمة الدم السوداني فوق كل التوازنات والمكاسب الميدانية.
—
kaneenaosama@gmail.com



