
محمد كندشة
دأب بعض رواد الفضاء الرقمي على اجترار آراء فطيرة تُملى عليهم بلا وعي، حتى غدت في أذهانهم مسلمات راسخة، يرددونها في كل منبر ويستفرغونها في كل منشور. وقد بلغ الاستخفاف ببعضهم أن يعمدوا إلى نسخ العبارة ذاتها وإلصاقها “بضبانتها”، في مشهد يختزل أزمة الوعي والاستتباع.
إن ظاهرة المزايدة على جرائم الحرب التي ارتكبها طرفا النزاع في السودان، تكشف بوضوح عن حجم الاستقطاب الحاد واصطفافات داعمي كل طرف. فبينما قامت الدنيا ولم تقعد، وصُنعت حملات إعلامية واسعة تضامناً مع ضحايا ود النورة، خيّم صمت مطبق على المجازر الجماعية التي شهدها جنوب الحزام. بل إن ذلك الموت الزؤام، الذي حصد أرواح أكثر من ألف مدني في مجازر متعاقبة، جرى تمييعه والتقليل من شأنه، لا لسبب سوى أن مرتكبه هو الطيران الحربي التابع للجيش.
والمفارقة أن ذات الأصوات التي تزايد اليوم على ضحايا شمال الوادي، هي التي كانت تتبنى رواية الجيش لتبرير مجازر جنوب الحزام، عبر إنكار مسؤوليته وذر الرماد في العيون، بترديد عبارات باتت في ذاتها مشاركة في الجريمة، من قبيل: “الابتعاد عن أماكن تواجد المليشيات”، و”كلهم شفشافة”. حتى إن جرائم الدعم السريع المروعة في دار مساليت، جرى تهميشها أمام مجزرة ود النورة التي جرى تنصيبها معياراً وحيداً لقياس انتهاكات الدعم السريع.
أما الجريمة التي اقترفها الجيش المصري في وضح النهار بحق مدنيين سودانيين عزل، فلا يمكن مقارنتها البتة بجرائم الحرب الداخلية. إنها عدوان خارجي مكتمل الأركان، وانتهاك سافر للسيادة الوطنية، وقتل بدم بارد لمواطنين سودانيين داخل حدود بلادهم. إن محاولة المساواة بين ضحايا شمال الوادي وضحايا ود النورة، تمنح – عن جهل أو تواطؤ – غطاءً سياسياً وأخلاقياً للمعتدي الخارجي، وتشرعن فعلته، في وقت يغض فيه أصحابها الطرف عن الصمت المخزي للسلطات السودانية وتعاملها الهزيل مع اعتداءات الطيران الحربي المصري.
شهادة من قلب الموت المجاني
على الصعيد الشخصي، كنت شاهداً على فصل كامل من فصول الموت المجاني في جنوب الحزام. سمعت بأذني أزيز الطيران الحربي وهو يفتح أبواب الجحيم فوق رؤوس المدنيين. كنا، أنا وآلاف المواطنين، نتهامس هلعاً: “ضربت وين؟”، ثم نهرع إلى مواقع القصف لنحصي الأشلاء ونواري الجثامين المتفحمة والأحشاء المتناثرة.
وفيما يلي جانب مما عاينته ووثقته ميدانياً، وشاركت في ستر ضحاياه:
1. مجزرة حي الإنقاذ “مسجد 4 شرق”: 5 ضحايا.
2. مجزرة “بنشر محمد”: 5 ضحايا وعدد من الجرحى.
3. مجزرة الأزهري الأولى جوار مخبز رزاز: 12 ضحية.
4. مجزرة سوق قورو الأولى: 48 ضحية.
5. مجزرة سوق العزبات: أكثر من 50 ضحية.
6. مجزرة جملون مايو: أكثر من 30 ضحية.
7. مجزرة مربع 2 شرق سوق أبو جا: 6 ضحايا من أسرة واحدة.
8. مجزرة محطة أمونيا: أكثر من 40 ضحية.
9. مجزرة طلمبة الشاحنات: أكثر من 17 ضحية.
10. مجزرة سوق قورو الثانية: أكثر من 30 ضحية.
11. مجزرة حي الكبابيش: أكثر من 7 ضحايا.
12. مجازر السلمة القديمة: أكثر من 30 ضحية، إحداها وقعت أثناء مناسبة اجتماعية.
13. مجازر الصهريج بمحيط محطة الوقود: 4 غارات، أكثر من 100 ضحية.
14. مجازر سوبا والمدينة الخيرية: أكثر من 20 ضحية.
15. مجازر سوبا المحطة: 3 مجازر، أكثر من 100 ضحية.
16. مجزرة حي الإنقاذ “سوق بقاري”: 6 ضحايا من أسرة واحدة.
17. مجازر حي الإنقاذ “مربعات 1 و3 و12 والمجمع”: 7 ضحايا، بينهم خالي شقيق والدتي.
هذا فضلاً عن عشرات الضحايا في الأحياء الداخلية الذين لم يتم حصرهم، حيث واراهم ذووهم الثرى في صمت، وعشرات آخرين قضوا فرادى جراء القصف المتفرق.
إن جميع هذه الوقائع كنت عليها شاهد عيان، أسهمت في مواراة جثامين الضحايا، ووثقت مواقع الاستهداف، والتقيت بأسرهم، ونحتفظ بسجل موثق يضم أسماء العشرات منهم.
لقد كنت شاهداً على مرحلة صار فيها الموت مجانياً ومستباحاً لأبناء هذا الوطن، بفعل بنادق وحمم طيران ومسيرات وقذائف مدفعية، يدفع شعبنا ثمنها من قوته وقوت أبنائه ومستقبلهم.
إن محاولة عقد مقارنة بين جرائم طرفي الحرب الداخلية والجريمة التي ارتكبتها مصر بحق المعدنين السودانيين في شمال الوادي، ليست سوى تبرير فطير، لا يصدر إلا عن وعي مغيب، مسلوب الإرادة ومنزوع النخوة الوطنية، تحركه ماكينة إعلامية هابطة تشارك قيادة الدولة خستها ووضاعتها وانبطاحها السياسي الكامل أمام القاهرة.
مصر تسرق تاريخنا،
مصر تسرق ماءنا،
مصر تسرق مواردنا،
مصر تسرق ثرواتنا،
مصر تسرق شبابنا،
مصر تسرق أراضينا.
#حق_الدهابة



