
د. حاتم طه يكتب…
لم تكن الذاكرة السياسية السودانية يومًا ذاكرة صامتة، بل كانت ذاكرةً حيّة تتشكل في الوجدان، وتترسّخ في الوعي، وتُعاد كتابتها جيلاً بعد جيل، حتى غدت الزعامة فيها ليست مجرد موقعٍ في سلطة، بل معنى يتخلق بين الفعل والرمز، وبين الإنجاز والانكسار، وبين المشروع ونقيضه، وبين ما يُبنى وما يُهدم، وبين ما يُقال وما يظلّ معلقًا في صمت التاريخ.
فالسودان منذ فجر تاريخه لم يعرف زعامةً واحدة، بل عرف تعددًا في الوجوه وتباينًا في الدلالات، حتى بدا وكأن كل مرحلة تصنع زعيمها على قدر سؤالها، لا على قدر إرادته وحده.
في ممالك كوش القديمة، لم تكن الزعامة وجهًا واحدًا، بل وجوهًا متجاورة على جدران التاريخ، تتقاطع ولا تتطابق، تتجاور ولا تتماهى.
فـبعانخي لم يكن مجرد ملكٍ في سجل الملوك، بل كان إعلانًا لفكرة السيادة حين تتسع، والإرادة حين تمتد، والقوة حين تتحول من دفاعٍ إلى فعلٍ تاريخيٍ صانعٍ للمجال.
أما تهارقا، فلم يكن ظلًا لبعانخي ولا تكرارًا له، بل كان امتدادًا مختلفًا لذات الفكرة في سياقٍ أكثر اشتباكًا مع موازين القوى الكبرى، حيث تصبح الزعامة اختبارًا للبقاء داخل نظام إقليمي ضاغط، لا مجرد تعبير عن التفوق، فتنقلب القوة من معنى الغلبة إلى معنى الصمود داخل المعادلة.
ثم تأتي أماني ريناس لا لتكمل السلسلة، بل لتكسر نمطها؛ إذ تنقل الزعامة من منطق التوسع إلى منطق الندية، ومن حسابات السيطرة إلى معنى المقاومة، حتى تصبح صورتها في الذاكرة أقرب إلى كرامةٍ تقاوم الانكسار، لا إلى سلطةٍ تُمارس الحكم.
وهكذا لم تتشكل الذاكرة الأولى على نموذج واحد، بل على تعددٍ في المعاني: سيادة، وصراع، ومقاومة؛ قوة، وندية، وصمود.
ثم جاءت لحظة الإمام محمد أحمد المهدي، فانتقلت الزعامة من منطق القوة إلى منطق الرسالة، ومن السياسة إلى معنى الخلاص، حيث لم تعد الدولة غايةً في ذاتها، بل مشروعًا أخلاقيًا يتداخل فيه الديني بالسياسي، والوعد بالفعل، والإيمان بالواقع، حتى غدت الزعامة وعدًا بالخلاص قبل أن تكون إدارةً للواقع.
ثم ظهر علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ لا بوصفهما صانعي دولة، بل بوصفهما لحظة وعيٍ مبكرٍ بالحرية، ومقاومةٍ تتشكل خارج مركز السلطة الاستعمارية، لتدخل الذاكرة لا كحكمٍ بل كصرخة.
ثم جاء إسماعيل الأزهري، فكانت الزعامة عنده زعامة اللحظة لا زعامة المدى، لحظة الاستقلال حين ارتفع العلم، وانكسر القيد، وتحوّل التاريخ من انتظارٍ طويل إلى إعلان ميلاد دولة.
ثم جاء جعفر نميري، فكان وجه الدولة حين تتشدد، حين تتكلم بلغة المركز، حين تتقلب بين الشعارات والقرارات، بين الاشتراكية تارة والمصالحة تارة، لكنه في جوهره ظل تعبيرًا عن دولةٍ تريد أن تمسك بالخيوط كلها، وأن تُعرّف الوطن من مركزه لا من أطرافه.
وفي المقابل، جاء الصادق المهدي ليجسد زعامة الإرث الممتد، حيث يتجاور التاريخ مع الحاضر، والطائفة مع الدولة، والفكرة مع الواقع، في محاولة دائمة لعدم الانقطاع، حتى حين يصبح الانقطاع ضرورة التاريخ.
ثم جاءت لحظة عبدالله حمدوك، لا بوصفها اكتمال مشروع، بل بوصفها انفتاح احتمال، محاولة لإعادة تعريف الدولة من خارج منطق المركز الصلب الذي حكم السودان طويلًا.
هنا لم تكن الفكرة مجرد انتقال سياسي، بل محاولة لاقتراح نموذج مختلف للدولة نفسها؛ دولة لا تقوم على ثنائية المركز والهامش، بل على إعادة توزيع المجال الاقتصادي على الجغرافيا، عبر ما يمكن تسميته بـ”الأحزمة الاقتصادية”، حيث تُبنى التنمية على امتداد الأطراف لا على تركّز المركز، وتتحول الجغرافيا من هامشٍ ملحق إلى بنيةٍ منتجة.
كانت تلك محاولة — التي لم تكتمل — للخروج من إرث “دولة 56” التي تركزت فيها السلطة والثروة في المركز، مقابل أطراف ظلت خارج المعادلة إلا بوصفها امتدادًا ناقصًا، لا شريكًا كاملًا.
لكن تلك الفكرة، على محدودية عمرها السياسي، طرحت سؤالًا ظل معلقًا:
هل يمكن بناء دولة على جغرافيا الاقتصاد بدل جغرافيا السلطة؟
أم أن المركز ظل أقوى من أي محاولة لإعادة توزيع المعنى والثروة معًا؟
في هذا السياق، يبرز عبد الواحد محمد نور بوصفه حالة مختلفة، لا لأن حضوره أقوى، بل لأن موقعه تشكل من غياب المشاركة داخل بنية السلطة منذ 2003، حتى ارتبط اسمه بالرفض المتكرر، لا كموقفٍ عابر، بل كهويةٍ سياسية مستقرة، حتى لُقب بـ”مستر نو”، وكأن الرفض أصبح تعريفًا قبل أن يكون اختيارًا.
لكن لحظة نيروبي، حيث اجتمعت قوى مدنية واسعة رافضة للحرب في مواجهة معسكر الحرب من فلول وإسلاميين، حملت مفارقة لافتة؛ إذ إن الرفض الذي ظل يصنع رمزيته لعقود لم يعد ينتج الصدى ذاته حين انتقل من موقع الغياب إلى موقع المشاركة.
فما كان يُنتظر أن يكون لحظة رمزية كبرى، مرّ دون أن يهزّ الذاكرة كما كان يفعل سابقًا، وكأن الزمن نفسه لم يعد يمنح الرموز ذات الامتداد القديم.
وهنا لا يتعلق الأمر بتوقيعٍ تغيّر، بل بزمنٍ تغيّر، ووعيٍ تغيّر، وبلدٍ لم يعد يتعامل مع السياسة بوصفها صراع رموز، بل بوصفها صراع نجاة.
وفي اللحظة الراهنة، لم يعد الرفض حكرًا على طرف، بل صار جزءًا من بنية المشهد نفسه داخل معسكر الحرب، حيث يتقاطع الفلول والإسلاميون في إعادة إنتاج حالة من الرفض للمبادرات والمسارات التي تستهدف وقف الحرب، في مقابل قوى مدنية رافضة للحرب، ترى أن الأولوية ليست في إعادة ترتيب السلطة، بل في إيقاف الموت أولًا، وفتح نافذة للحياة قبل أي نقاش آخر.
لكن هذا المشهد، بكل تناقضاته، لا يُقرأ اليوم بمنطق السياسة التقليدية، بل بمنطق أكثر قسوة وبداهة: منطق الإنسان في مواجهة الحرب.
فالناس الذين تشتتهم النزوح، وأثقلتهم الخسارة، وتوزعوا بين المنافي والملاجئ، لم يعودوا يسألون عن توازن القوى، ولا عن صيغ الحكم، ولا عن هندسة التحالفات، بل عن سؤال واحد يتكرر في الصمت والدمع والانتظار:
هل تتوقف الحرب؟
وهنا تتراجع السياسة حين تعجز عن الإجابة، وتتراجع الرموز حين تفقد قدرتها على التأثير، ويتقدم سؤال الحياة على كل ما عداه، لا لأنه يلغي السياسة، بل لأنه يسبقها.
وهكذا يقف المشهد بين طرفين متناقضين لا ثالث لهما في اللحظة الراهنة: رفضٌ لا يفتح أفقًا، وتسويةٌ لم تُثبت أنها تنقذ حياة.
من بعانخي وتهارقا وأماني ريناس، إلى المهدي والأزهري ونميري والصادق وحمدوك، وصولًا إلى عبد الواحد، يتكشف السودان لا بوصفه بلدًا يصنع زعاماته فحسب، بل بوصفه بلدًا يعيد تدوير أسئلته الكبرى: السيادة، الدولة، الخلاص، الرفض.
لكن السؤال الذي لا يغادر مكانه، رغم تبدل الوجوه وتغير الأزمنة، يظل كما هو:
أي معنى يمكن أن يُعاد بناؤه في وطن تتنازعه الذاكرة، بينما يتآكل فيه الحاضر تحت ثقل الحرب، وينتظر شعبه لحظة لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها… لحظة توقف فيها الحرب قبل أن تُستعاد كل الأشياء الأخرى؟



